أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٣٣وكانت تأثيرات سكان بلاد المغرب من العرب والفينيقيين والأمازيغ والنوبة والأنباط - وغير ذلك من المسميات في منطقة الساحل الأفريقي - من خلال هذا الطريق لا حدود لها، إلا أن هذا التأثير يخف كلما اتجهنا نحو خليج غينيا والغابات الاستوائية، وذلك لأسباب ترتبط بالعوامل الجغرافية وتأثيراتها البيئية في الإنسان والماشية كالإبل والبقر والضأن والخيل والحمير. ثالثاً: وفي جنوب شرق أفريقيا يقوم فيما بين البحيرات طريق دخلت منه القبائل العربية حتى وصلت إلى جنوب أفريقيا ووسطها منذ قرون طويلة (1).
الأفريقية
وإلى جانب هذه الطرق الثلاثة الرئيسية توجد طرق فرعية عديدة ساهمت في الانسياح الكبير للهجرات البشرية في مختلف مناطق القارة الأفريقية .. مصداقاً لقول الله تعالى: {وَمِنْ عَايَتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ) (2)
ونشير هنا إلى أن الأمازيغ قد سكنوا الساحل الشمالي الصحراوي منذ العصور السابقة لإخوانهم «الفينيقيين الذين كانوا يسكنون بلاد الشام قبل هجرتهم إلى بلاد المغرب سنة 1500 ق. م. على أقل تقدير. وبمرور العصور وتداول الأيام اختلط السكان وتفاعلوا مع غيرهم من الشعوب والأمم، وخاصة بعد الهجرات التي تعرضت لها بلاد المغرب من الرومان والفرس والوندال والروم في الفترة الواقعة بين عامي 146 ق. م. و 708 م. حيث الفتح العربي الإسلامي لشمال أفريقيا (18) - 90 هـ / 639 - 708 م) (3).
1
ومما هو جدير بالذكر فإن اسم بربر» لم يرد في النصوص المصرية القديمة، ولم يرد أيضا في الكتابات الفينيقية التي وجدت في حوض البحر الأبيض المتوسط. وهذا يؤكد أن أول من أطلقه على الرومان هم اليونان في حوالي منتصف القرن السابع قبل الميلاد وهو نعت لمن لا يفهم لغتهم أو لا يفهمون لغته. وعن اليونان أخذ الرومان أو اللاتنيون الكلمة وأطلقوها على كل من كان خاضعاً لسلطانهم في بلاد المغرب. وبالتالي انتشر اسم بربر)) الذي لا يحمل لسكان المنطقة نسباً في أمة من الأمم الغابرة، وأصبح يشكل خلافاً كبيراً بين المؤرخين ولا سيما المؤرخين الأوروبيين الذين يكتبون بوحي المصلحة والتشكيك والتزييف (4).
لقد كتب (هيرودوتس (5) عن العلاقات التجارية الوثيقة بين منطقتي حوض البحر الأبيض المتوسط والساحل الأفريقي، حيث تحدث عن الطرق والمسالك الصحراوية، وعن وسائل النقل والسلع المتبادلة وعن القلاع والمحطات والمراكز التجارية في المنطقتين. وتؤكد الرسومات
،
(1) دنيس بولم: الحضارات الأفريقية .. ترجمة علي شاهين، ص 32 وما بعدها. (2) سورة الروم، الآية: 20.
(3) الدكتور عبد الرحمن عمر الماحي: الدعوة الإسلامية في أفريقيا الواقع والمستقبل، ص 59. (4) بول روبير: القاموس الهجائي للغة الفرنسية، الجزء الأول ص 754.
الله ولة سلقة
(5) هيرودتس (484 - 425 ق. م) مؤرخ ورحالة يوناني زار العالم المعروف آنذاك وكتب عنه. - يراجع «المنجد في اللغة والإعلام دار المشرق بيروت 1975،
ص
736
الراسخة في جبال العوينات وأنيدي وتبستي وتاسيلي والهوقار والواقعة بين المنطقتين ما ذكره «هيرودوتس في تاريخه الكبير ومشاهداته الميدانية في رحلته المشهورة في آسيا وأفريقيا. وتجدر الإشارة إلى أن الدولة النبطية قامت بدور حضاري كبير في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، ومنطقة الساحل الأفريقي أو جنوب الصحراء تلك الدولة التي زار «هيرودوتس المنطقتين في أيامها والتي وضعت اللمسات الفنية في الحروف الهجائية العربية المتعارف عليها الآن (1). عرض الموضوع:
(2)
لقد سكن العرب واللغة العربية منطقة الساحل الأفريقي قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقرون طويلة. حيث تعاقبت الهجرات نحو بحيرة كوار/ تشاد على وجه الخصوص لموقعها الاستراتيجي في قلب القارة الأفريقية. ثم تعزز وجود العرب واللغة العربية وتطور في منطقة الساحل الأفريقي بدخول الإسلام سنة 46 هـ الموافق 666 م دخل الإسلام في القارة الأفريقية أول الأمر في شرق أفريقيا عبر البحر الأحمر في العام الخامس لظهور الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة .. ونعني بذلك هجرة الصحابة الأولى إلى بلاد الحبشة وما ترتب عليها من نتائج حسنة في شرق أفريقيا. الي
كما دخل الإسلام شمال القارة الأفريقية عبر سيناء في العام الثامن عشر (18) للهجرة وهو العام الذي فتح فيه الصحابي الجليل عمرو بن العاص البلاد المصرية وبالتالي فتحت أرض الذهب (النوبة) سنة 31 هـ. الموافق 651 م وبلاد المغرب في الفترة الواقعة بين عامي 21 و 90 هـ الموافق العامي 624 و 708 م .. وكان من الطبيعي بعد دخول الإسلام وانتشاره في شرق وشمال أفريقيا أن يدخل البلدان الواقعة في وسط القارة وغربها وجنوبها، وخاصة أن الإسلام رسالة عالمية لا تقف في سبيلها الحواجز المائية أو الرملية أو الجبلية أو البشرية. فكما أن البحر الأحمر لم يكن ليحول بين المسلمين وشرق أفريقيا، كذلك لم تكن الصحراء إلا عامل اتصال عبر عشرات الطرق التي كانت تتفرع منها أو تؤدي إليها … فقد كان عمرو بن العاص بعد أن أتم فتح برقة سنة 21 هـ. 642 م، وطرابلس سنة 23 هـ/ 644 م. قد أرسل إلى فزان جيشاً يقوده نافع بن عبد القيس الفهري .. ففتح زويلة وودان ومرزق وما جاورها وترك فيها دعاة يعلمون الناس، الإسلام كما ترك ابنه عقبة مع الجيش المرابط في فزان وكان سنه إذ ذاك لا يتجاوز عشر سنوات. فنشأ عقبة جندياً عارفاً بطبيعة الصحراء وطرقها ومداخلها وقبائلها وقوافلها اشتهر أمره في هذه النواحي بسبب تأقلمه وفهمه لمجتمع الصحراء وبسالته في الميدان، وحرصه الشديد على نشر الإسلام بين القبائل المتناثرة في الواحات، حيث كان مجاهداً (1) عبد الفتاح عبادة: انتشار الخط العربي في العالم الشرقي والغربي، ص 5 - 11 (2) الدكتور عبد الرحمن الماحي: المرجع السابق ص 71.
،
(1)
65
64