أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٣٥فقد كانت التجارة عبر الصحراء في العصر الإسلامي لم تكن هدفاً في حد ذاتها بقدر ما كانت وسيلة لنشر الإسلام وحضارته وكانت تحمل علاوة على الإسلام والحضارة الإسلامية مجموعة من السلع التجارية كالأقمشة والزرابي والسيوف والمرايا والكحل والسكر والملح والبهارات والعطور والتمور والكتب والورق والخيوط والإبر. . وما إلى ذلك ..
وفي العودة تجلب قوافل الصحراء إلى المغرب والمشرق:
التبر والنحاس والحديد والعاج وريش النعام والجلود والعسل والقطن والصمغ والفول والأبنوس والمواشي، بالاضافة إلى السواعد التي كانت الإمارات الإسلامية المتنازعة في حاجة إلى تجنيدها كلما قامت فتنة بين الأمراء أو حدث انشقاق في الإمارة.
وقد شارك أبناء السودان الأوسط في حوادث كثيرة في بلاد المشرق والمغرب حيث استعان بهم الخلفاء والأمراء والولاة في القضاء على الفتن والثورات وتوطيد نظام الحكم، وهؤلاء الجند كان بعضهم يقيم في المشرق والمغرب بعد تسريحهم من الخدمة العسكرية حتى أصبح لهم تأثير كبير في المجتمع المشرقي والمغربي. وبعضهم كانوا يعودون إلى بلادهم وكانوا أحسن نموذج لما يمكن أن يفعله الإسلام بالإنسان من حيث الثقة بالنفس والارتقاء بمكانته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية .. ولا تستبعد أن يكون هؤلاء الجند العائدون إلى بلادهم من أحسن الدعاة إلى الإسلام والحضارة الإسلامية بين أهلهم وذويهم وجيرانهم. فقد ذكر المقريزي (1364) - 1441 م). في كتابه الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام إن الجند العائدين من المشرق والمغرب إلى أفريقيا جنوب الصحراء كان لهم نشاط واسع وإن تأثيرهم كان كبيراً في المجتمع والسلاطين والأمراء والتجار مما مكنهم من الدعوة إلى الإسلام في كل مكان وبناء المساجد في كافة الحواضر» (1). وتعد قوافل الصحراء من أهم العوامل المساهمة في توثيق الروابط بين الشعوب، ورمزاً من رموز الاتصال المحكم بين اللغة والعقيدة والثقافة والفكر والتفاعل الحضاري.
كانت الصحراء تموج بقوافل التجار والعلماء والدعاة والرحالة المسلمين الذين يتنقلون من بلد إلى آخر. كما تموج أيضاً بالدبلوماسيين واللاجئين السياسيين الذين يعملون من أجل استرداد أمجادهم في كل مكان يحلون فيه، ونتيجة لذلك:
نشأت مملكة كانم في منطقة السودان الأوسط
ورد لفظ كانم في أكثر من مؤلف جغرافي وتاريخي منذ عدة قرون وتحورت كثيراً من جراء الصوت الأول الذي يتذبذب النطق به عند الباحثين والناقلين عن الإخباريين. فالصوت يتناوب بين (1) العمري: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، جـ 2 ق 3 ورقة 492.
والدكتور غلاب وآخر البلدان الإسلامية، ص 515 وما بعدها. اما اين مايه سير (5)
الكاف والقاف والغين. وقد ذكرت الكلمة باعتبارها علماً لشعب واسماً لمكان منذ القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي ..
،
فالفزاري (محمد بن إبراهيم الفزاري ت 180 هـ (796 م. أول من كتب عن أفريقيا جنوب الصحراء عموماً، ومنطقة السودان الأوسط على وجه الخصوص، وذلك عند زيارته لها خلال النصف الأول من القرن الثاني الهجري 115 هـ الثامن الميلادي 733 م. يذكر جماعة الكانم ضمن فريق يمم شطر المغرب بعد تفرق ولد نوح في الأرض والمسعودي ت (345 هـ/ 957 م). يذكر جماعة الكانم ضمن العرب والزغاوة الامازيغ والكوري والتوبو والطوارق والتيدا والكوكا والبلالا. وللتذكير فإن هذه أسماء وصفات لا تعني أكثر من ذلك، لأن الانتماء إلى سلالة أو قبيلة أو أمة دون أخرى، ربما كان أوضح خصائص البشر وأيسر عوامل التعرف عليهم، لكنه ليس أساسياً أو هاماً أمام الحقيقة التي قررها خالق الناس في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إذا أَنتُم بشر تنتَشِرُونَ﴾ [الروم: 20]. وقال تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1]. وقوله تعالى: {وَمِن عَيْنَيْهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَيَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةٍ
لِلْعَلِمِينَ} [الروم: 22].
وقال تعالى: ﴿يَتأَيُّها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]. لو في أواخر القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي، جاءت جماعة من المشرق عبر ليبيا إلى بحيرة تشاد، وكان من بين أحفاد أولئك الذين جاهدوا في الله حق جهاده مع عقبة بن نافع وحسان بن النعمان وموسى بن نصير في بلاد المغرب وعلى أثر ذلك ظهرت مملكة كانم في شمال البحيرة، ثم أخذت تتسع حتى بسطت نفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي في منطقة السودان الأوسط في الفترة الواقعة بين القرنين الثامن والخامس عشر الميلاديين. وهي تعد أول مملكة إسلامية قامت في أفريقيا جنوب الصحراء، وكانت معبراً أساسياً للإسلام والحضارة الإسلامية بين القبائل الإحيائية في الغرب والشرق والجنوب.
ات کا ات للقاء
يقول القلقشندي: ت (821 هـ / 1418 م). إن جماعة من الأمويين وأنصارهم لجأوا إلى بحيرة تشاد عند سقوط الدولة الأموية سنة 132 هـ/ 750 م. واستطاعوا أن يكونوا نفوذاً سياسياً واقتصادياً في تنبيه: نشأت ممكلة غانا سنة 300 م. واستمرت حتى سنة 1240 م. دخلها الإسلام منذ القرن الأول الهجري، الثامن الميلادي، لكنها لم تصبح مملكة إسلامية إلا بعد أن دخلها المرابطون في القرن الحادي عشر الميلادية، واعتنق ملوكها الإسلام. ثم قامت مملكة مالي على انقاضها سنة 1240 م. واستمرت إلى سنة 1488 م. حيث قامت مملكة سنقاي التي انهارت سنة 1750 م. وكانت مملكة الفونج (1505) - 1821 م). أول مملكة إسلامية قامت في السودان الشرقي جنوب مصر.
69
68