أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٣٦

السودان الأوسط، وإن مملكة كانم قامت على أيديهم. ويقول في موضع آخر: «وسلطان كانم من بيت عريق في الإسلام، وقد جاء من ادعى النسبة في بني الحسن بن علي كرم الله وجهه، وتمذهب بمذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، وشيد مدرسة للمالكية واتخذ مراكزاً للعلوم والثقافة الإسلامية وشيد المساجد وأوقف الأوقاف وأجلّ العلماء وأغدق عليهم والعدل قائم في بلاد كانم وأهلها يابسون في الدين.

وقد نبغ الكانميون في العلوم الإسلامية واتصلوا بالمؤسسات التعليمية في بلاد المغرب السلطان والمشرق. . وقرض بعضهم الشعر كأبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي الذي مدح يعقوب المنصور الموحدي الذي حكم في الفترة الواقعة بين عامي 1184 و 1199 م. بقصيدة أجازه عليها وقربه منه بعد سماعها، ومنها ما يلي:

أزال حجابه عني وعيني تراه من المهابة في حجاب وقربني تفضله ولكن بعدت مهابة عند اقتراب وعلماء الجغرافيا المسلمون الذين طافوا الأقطار أمثال البلاذري (ت 279 هـ / 982 م). والمقدسي (ت 335 هـ / 947 م). والأسطخري (ت 346 هـ / (957 م. وابن حوقل (ت 367 هـ / 977 م). والشريف الإدريسي (ت 494 - 561 هـ / 1155 - 1165 م) صاحب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق. 561 - 1494 هـ/ 1231155 وياقوت الحموي 575 - 627 هـ / 1179 - 1229 م) صاحب معجم البلدان. . كانوا جميعاً يدمجون السودان الأوسط في الأقاليم الإسلامية وقد ساهمت الدول الإسلامية التي قامت في المغرب والمشرق لتشجيع قوافل الصحراء وتوطيد العلاقات السياسية والتجارية بينها وبين مملكة كانم. . ومن بين تلك الدول: الدولة الرستمية ودولة الأدارسة .. ودولة الأغالبة، والدولة الفاطمية. . ودولة الموحدين .. والدول الحفصية والدولة الزناتية والدولة المرينية والدولة الأيوبية .. ودولة المماليك البحرية، ودولة المماليك البرجية. في الله

وقد وصف كل من اليعقوبي في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، والمحلبي الوزير الحسن بن محمد في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي - مملكة كانم بأنها عربية إسلامية على غرار الممالك العربية الإسلامية في بلاد المغرب والمشرق، كما وصفها ابن سعيد المغربي (611 - 685 هـ / 1214 - 1286 م) بأنها تمتد إلى ودان شمالاً، وضفاف النيل الأبيض شرقاً، ونهر جاوة غرباً، والغابات الاستوائية جنوباً. وكانت لها سفارة في القاهرة مهمتها الإشراف على تنظيم القوافل التجارية والحج والاتصال بالسلطان لمعاونة الكانميين الوافدين إلى مصر فضلاً عن تقديم المتطوعين للمشاركة في محاربة الصليبيين. كما أنشأت مملكة كانم سفارة مماثلة مع الموحدين والحفصيين والزيانيين والمرينيين. وكانت ترسل أبناءها للدراسة في الأزهر والزيتونة والقرويين وتلمسان

thle

دور سلاطين مملكة كانم في نشر الإسلام في السودان الأوسط (1): نالجري في كان لسلاطين كانم دور بارز في نشر الإسلام والحضارة في منطقة السودان الأوسط والغربي. ويعود الفضل إلى هؤلاء السلاطين في وضع الأسس المتينة لتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد، ونشر الإسلام واللغة العربية في الأقطار المجاورة لبحيرة كوار تشاد حالياً»: وقد ساعدهم في هذه المهمة السامية إيمان الشعب بتعاليم الإسلام نظراً لما وجدوه في الإسلام من السماحة وحسن الخلق والمساواة بين الناس، وصدق الداعين إليه في القول والعمل. ذلك لأن الإسلام يحمل في تعاليمه أسباب الإقناع لكل من يفكر في ملكوت السماوات والأرض ويفتح قلبه وعقله لفهم مبادئه القيمة الخالية من التعقيدات والفلسفات الضالة التي أتعبت اليهود والنصارى والمجوس والإحيائيين. وقد وجد الأفارقة في مبادئ وتعاليم الإسلام البساطة والحياة الاجتماعية والعيش الكريم في محيط الجماعة كما وجدوا أيضاً الأمانة والتعاون على البر والتقوى والأخذ بيد الضعيف وإغاثة الملهوف وبالتالي تكون مجتمعاً ميزان الكرامة فيه التقوى والعمل الصالح. مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (2). وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم، واحد كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) وكان رجال الدعوة وفي مقدمتهم السلاطين والأمراء والتجار وعلية القوم وغيرهم يمارسون العمل الدعوي في حركتهم وسكناتهم في مختلف المناطق في السودان الأوسط إلى جانب مسؤولياتهم الإدارية والسياسية والتجارية .. في ضوء قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وتحيايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (4). ولذلك توفرت لهم أسباب القوة والسيادة والمجد على من حولهم من الأقطار والقبائل .. إذ توسعت حدود دولتهم واكتسبوا أهمية عظيمة ومكانة مرموقة بين الشعوب الأفريقية والعربية، حيث أصبحت مملكة كانم حامية حمى الدعوة الإسلامية في منطقة السودان الأوسط في العصور الوسطى، وصار سلاطينها في مرتبة السلاطين العظماء الذين يشار إليهم بالبنان في العصور الوسطى. كذلك كانت من العوامل التي ساعدت السلاطين على نشر الإسلام مواكب الحج التي كانت تمر بمملكة كانم من الغرب إلى الشرق وبالعكس وقوافل التجارة التي تأتي من الشمال إلى الجنوب، ومن الجنوب إلى الشمال في مواسم محددة.

(3)

من

شمال

(1) لقد أطلق الجغرافيون المسلمون لفظ السودان الأوسط على المنطقة الممتدة. الضفة الشرقية لنهر النيجر الأوسط حتى الضفة الغربية للنيل الأبيض، ومن فزان شمالاً إلى الغابات الاستوائية جنوباً. وتضم هذه المنطقة اليوم الدول التالية: النيجر ونيجيريا والكمرون وأفريقيا الوسطى وتشاد وجنوب ليبيا وغرب جمهورية السودان راجع الدكتور حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس ص 34 وما بعدها والبلاذري فتوح البلدان، ص 429 وما بعدها.

71

وبرع أهل كانم في التجارة حيث كانت لهم مراكز تجارية في بلاد المغرب ومصر وثغور البحر الأحمر ومنطقة الغابات الاستوائية.

(2) سورة الحجرات، الآية: 13. (3) رواه الشيخان (بخاري ومسلم). (4) سورة الأنعام، الآية: 160

70