أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٤٣

نهاية القرن

ومركز نشاط اقتصادي وعمراني، وتفاعل بشري يستند على استقرار سياسي، وجو أمني وفره أولاد محمد الذين حكموا فزان منذ مطلع القرن السادس عشر ولأكثر من ثلاثة قرون. فكان فزان مركز عبور بالنسبة للراغبين في التحول إلى المشرق لأداء مناسك الحج، أو مواصلة الدراسة، أو لتعاطي التجارة، أو المسكن والاستقرار، وكذلك كان فزان بوابة الدخول إلى بلدان السودان بالنسبة لأهل ار، وكذل المغرب العربي الأدنى ومصر. لقد وجد الإسلام طريقه إلى تشاد وبقية بلدان الساحل أو السودان الأوسط وهي ما يعرف اليوم بتشاد، النحر، مالي، وشمال نيجيريا منذ القرن الهجري الأول ويمثل دخول الإسلام إلى تلك المناطق بدءاً بكاوار على مشارف الصحراء الكبرى (1) بداية مرحلة حاسمة في تاريخ العلاقات العربية الأفريقية. لقد حمل العرب الإسلام سليماً إلى هذه الديار عن طريق الرحالة، وتجار القوافل، وطلاب العلم والحجاج بأسلوب الاختيار الحر والإقناع والقدوة الحسنة. والصورة السليمة التي دخل بها الإسلام إلى المناطق الأفريقية فيما وراء الصحراء الكبرى، جعلته يتسرب إلى مناطق واسعة

،

من بلدان الساحل ببطء أحياناً، ولكن بصورة ثابتة ومستمرة، وينتشر في أوساط شعبية واسعة. لقد هيأ الإسلام إلى المناطق الأفريقية التي دخلها أن تتصل بالحضارة العربية الإسلامية في وقت مبكر. فقد أحدث الدين الجديد نشاطاً ثقافياً، وحراكاً اجتماعياً، ونشاطاً اقتصادياً عظيماً؛ فأتاح للمناطق المختلفة صلات التزاوج والجوار والثقافة وتبادل السلع والمنافع، وحمل اللغة العربية على الانتشار في أوسع نطاق؛ حيث أصبحت اللغة العربية وسيلة لحفظ التراث الأفريقي، وكما حمل الدعاة العرب إلى أفريقيا الإسلام حملوا عادات وتقاليد حسنة في السلوك والمعاملة، واختلطوا مع السكان المحليين في مدنهم وقراهم ونجوعهم، واستقروا بينهم، وتزاوجوا معهم وبثوا فيهم الحضارة الإسلامية. فكان لهذا الاختلاط أثره الكبير في تحويل السكان إلى الإسلام، وظهور أجيال جديدة تتقن اللغة العربية وتتحدثها إلى جانب اللهجات الأفريقية المحلية التي استخدمها الدعاة الأفريقيون فيما بعد وسيلة أو أداة لنشر الإسلام، وقد هيأ الإسلام للمجتمعات الأفريقية الجديدة الانتساب إلى المجتمع الإنساني المتحضر الذي يؤمن بالقيمة الإنسانية والمساواة التي يؤكد عليها الإسلام، وتحث على التعاون والتعاطف والعمل والعلم. حيث يمنح الإسلام المتصلين به منزلة أرقى وفكرة أسمى عن مكانة الإنسان من العالم المحيط به ويحرره من ربق الأوهام بالدونية. وكان الحج أحد أهم قنوات الاتصال بين شتى مناطق العالم الإسلامي. وبالنسبة للأفريقيين لم يكن الحج أداءاً لفريضة دينية فحسب، بل إنه مناسبة للاتصال بمنابع الحضارة العربية الإسلامية، والوقوف على مدى ما توفره العبادة العملية، من خلال أداء مناسك الحج، من إحساس بالأخوة والمساواة، والكمال الخلقي والسمو الروحي الذي يتحلى به المسلمون حقاً في الحج. العالية الامل (1) الطاهر أحمد الزاوي، تاريخ الفتح العربي في ليبيا، ط 3 لندن: دارف المحدودة، 1985، ص 107 - 108. العليا للتربية (2) نعيم قداج حضارة الإسلام وحضارة أوروبا في أفريقيا الغربية ط 2، الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع (1974)

8 - 7

(2)

1071985

والواقع أن الحج كان ولا زال يمثل أقوى الروابط التي تربط الشعوب الإسلامية، فالإسلام

قد آخى بين سائر الأجناس، وكفل لهم الحرية والأمان والمساواة، وكان أبرز آثاره في مجال التحول الاجتماعي، هو في دعم الاتصالات الاجتماعية بين مختلف بقاع الإسلام في ظل وحدة العقيدة الواحدة، وكسر الحدود بين أجزاء الأرض الإسلامية الواحدة وقد كان الحج أعظم مناسبة يختبر

فيها المسلم نفسه، ويدرك من خلالها مكانته داخل الجماعة الإسلامية التي ينتمي إليها. فالرحلة إلى الحج عن طريق البر أو البحر آنذاك، كانت تتيح للمسلم المرور بالعديد من البلدان والأماكن الإسلامية، وفي الحج يجتمع بإخوانه المسلمين من شتى بقاع العالم، ويكتسب العديد من الخبرات العملية والمعارف والممارسات الدينية والروحية التي تضفي على الحاج درجة عالية من الهيبة والاحترام وترفع من مكانته الاجتماعية.

وخلال هذه الرحلة الطويلة والشاقة التي قطعها حتى وصل إلى الديار المقدسة يجد الحاج الأفريقي نفسه أنه ينتقل بين أرجاء وطن إسلامي واحد كبير، لا تفصله حواجز، ولا توقفه حدود، بل يجد حسن المعاملة، وكرم الضيافة خلال المناطق التي يمر بها، وفي الحج، وهو داخل هذا العدد الهائل من الحجاج، يشعر أنه عضو في المجتمع الإسلامي العريض، ولا يجد تميزاً بسبب اللون أو الغنى أو الفقر. وهكذا يجد الحاج الأفريقي سواء كان تاجراً، أو فقيهاً، أو طالب علم، أو ملكاً، أو وجيهاً أو رجلاً عادياً الاحتياجات الروحية التي يطلبها (1). وفرصة للاتصال بالمراكز الحضارية المتطورة. كمصر التي يعتبر الاتصال بها في نظر أولئك الحجاج اتصالاً مباشراً بالحضارة العربية الإسلامية المتقدمة وبالتراث العربي الإسلامي الأصيل، وهكذا يمكن القول أن الحج كان أهم الروابط التي ربطت شعوب أفريقيا بالعالم الإسلامي. وبالنسبة للفرد المسلم الذي يؤدي الفريضة،

يعتبر الحج نقطة تحول هامة في حياته، ولها انعكاساتها في سلوكه ونظرة الناس إليه بعد الحج. وعلى حد تعبير فيليب حتي لا يزال الحج على مر العصور نظاماً لا يبارى في تشديد عرى التفاهم الإسلامي، والتأليف بين مختلف طبقات المسلمين، وبفضله يتسنى لكل مسلم أن يكون رحالة مرة على الأقل في حياته وأن يجتمع مع غيره من المؤمنين اجتماعاً أخوياً، ويوحد شعوره مع شعور سواه من القادمين من أطراف الأرض. وبفضل هذا النظام يتيسر للزنوج والبربر والصينيين والفرس والترك والعرب وغيرهم أغنياء كانوا أم فقراء، عظماء أم صعاليك أن يتألفوا لغة وإيماناً وعقيدة. وقد أدرك الإسلام نجاحاً لم يتفق لدين آخر من أديان العالم في القضاء على فوارق الجنس واللون والقومية خاصة بين أبنائه فهو لا يعترف بفاصل بين أفراد البشر إلا الذي يقوم بين المؤمنين

(mer)

J.S.Trimingham، A history of Islam in West Africa، Oxford: Oxford University Press (1972) PP.85 - 88.

(1) انظر:

وانظر أيضاً، توماس. و. أرنولد الدعوة إلى الإسلام بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية، ط 2، ترجمة وتعليق د. إبراهيم حسن، د. عبد المجيد عابدين وإسماعيل النجراوي القاهرة: مكتبة النهضة العربية (1957)، ص 390 - 400.

85

84