أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٤٤

وبين غير المؤمنين. ولا شك أن الاجتماع في مواسم الحج أدى خدمة كبرى في هذا السبيل (1).

6

إن النشاط المصاحب للحج والعمليات التي تتم على هامشه بين المسلمين، لها أهمية أكبر بكثير من مجرد اجتماع المسلمين في الأراضي المقدسة، وذلك أن بعض هؤلاء الحجاج في رحلة ذهابهم إلى مكة وعودتهم إلى أوطانهم منها اعتادوا المكوث في بعض المناطق للتجارة، أو للدراسة أو التدريس، أو للدعوة للدين ونشر الإسلام، وقد ينهضون للمساعدة في حل النزاعات السياسية والحروب القبلية والصراعات الجهوية في تلك المناطق. وفي بعض الأحيان قد تعرض عليهم مناصب سياسية في مكان ما حسماً للخلافات بين المتنازعين على السلطة هناك، فيقبلون بها. والمثال على ذلك وصول محمد الفاسي للسلطة في فزان في مطلع القرن السادس عشر، وتأسيسه دولة أولاد محمد هناك، التي استمرت في حكم فزان حتى عام 1813، فقد كان في الأساس رئيس إحدى قوافل الحج، على رأي الروايات المتواترة التي تمر بفزان وطلب منه الفرقاء المتخاصمون في فزان أن يكون حاكماً عليهم؛ حسماً للخلاف والصراع بينهم، وقبل منهم ذلك العرض ذلك العرض (2).

ما وبالنسبة للعلماء والطلاب الذاهبين للحج أو العائدين منه فإنهم قد يتوقفون هنا أو هناك للقيام بالتدريس، أو إنشاء الزوايا لتدريس العلوم الشرعية واللغوية ونشر الإسلام، وبالنسبة لبعضهم، فقد يجذبه النشاط العلمي في الأزهر بالقاهرة، أو الحياة الروحية والعلمية في مكة والمدينة، فيبقى في إحدى هذه الأماكن مجاوراً مدى حياته أو لبعض السنين. فالحجاج الأفارقة عندما يعودون إلى بلدانهم بعد رحلة الحج عادة ما يتحولون إلى دعاة للدين الإسلامي. ولهذه الغاية فإن أغلب هؤلاء الحجاج الذين يريدون التحول إلى دعاة يتأخرون في رحلة عودتهم؛ حيث يمكثون في مكة والمدينة أو في الأزهر يتلقون فيها أصول الدين في حلقات العلم على يد علماء الأزهر والمدينة المنورة ومكة المكرمة. كما يتلقون دروساً في الفقه والتفسير وعلوم اللغة.

والواقع أن الحج أحد المناسبات التي تربط بين علماء المسلمين عموماً من مختلف ديارهم ومشاربهم. فالحج، بالنسبة للعلماء وطلبة العلم هو رحلة علمية يلتقون أثناءها كبار الشيوخ والفقهاء في المراكز التي يمرون بها ويحضرون مجالسهم التعليمية لمدة قصيرة أو طويلة أخذاً وعطاء. وقد يطيب لبعضهم، كما أشرنا المقام بالأزهر الشريف، أو المدينة المنورة مجاوراً، وقد يمنح أحدهم إجازة أو أكثر من هؤلاء العلماء الذين يلتقي بهم في هذه المراكز العلمية أو في غيرها من الأماكن، فيضيف سنداً علمياً جديداً إلى أسانيده القديمة.

ص 192 - 193.

(1) فليب حتي أدوارد جرجي، د. جبرائيل جبور، تاريخ العرب ط 5 بيروت: دار الغندور للطباعة والنشر والتوزيع (1974) (2) للمزيد من المعلومات حول تأسيس دولة أولاد محمد بفزان انظر:

والرحلة في طلب العلم أصبحت تقليداً علمياً إسلامياً منذ القرون الإسلامية الأولى، وتواصلت

عبر القرون، حتى أصبحت تعد أحد أهم المظاهر الدالة على اكتمال تعليم الشخص واستحقاقه لقب عالم والتنقل بين مراكز الثقل في الحياة الفكرية في العالم الإسلامي كالقاهرة، ودمشق، وتونس، وفاس وغيرها، وإنشاء صلات وعلاقات بين العلماء هي أحد أبرز مظاهر الحياة الفكرية العربية الإسلامية عبر التاريخ العربي الإسلامي وعلى رأي ابن خلدون لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشائخ ومباشرة الرجال» (1)، وبالنسبة للحجاج وطلبة العلم الأفارقة عندما يتلقون تعليمهم في مراكز المشرق العربي والمغرب العربي وخاصة ما يتعلق باكتساب اللغة العربية والتعمق في الدراسات الإسلامية، ويحصلون على الإجازات اللازمة، يعودون إلى بلدانهم لنشر الإسلام، وقد أصبحوا أقدر الناس على إقناع بني، وطنهم، ومقارعة الحجة بالحجة بلهجة وطريقة محلية؛ وبسلوك جديد يعكس ما تعلموه من تجارب علمية وعملية (2).

كما كان الحجاج يتوقفون أيضاً في طريقهم للحج أو في عودتهم منه، في المراكز التي يمرون بها لأغراض التجارة، وقد كانوا يجنون أرباحاً طائلة من هذه التجارة ولم يكن كل هؤلاء التجار طلاب ربح ومال، حيث إن بعضهم كان من أهل العلم والمعرفة وعملوا في نشر الإسلام. فالحج كان يعطي تلك المراكز أو المحطات التي تمر بها قوافل التجارة أو الحجاج، قيمة إضافية. ونظراً لما يجلبه لقب «حاج على صاحبه من هالة وجاه، فقد كان التاجر الذي يريد أن يكسب ثقة الناس يكثر من الحج. والرجل العادي الذي يريد رفع مكانته في المجتمع يقوم بإداء فريضة الحج، حيث كان الناس يكرمون الحجاج أعظم إكرام ويستقبلهم الملوك والسلاطين، ورؤساء القبائل والعامة عند عودتهم، ويقومون بتوديعهم عند سفرهم للحج، ويتبركون بهم

(3)

أما بالنسبة للملوك والأمراء رؤساء الدول فإن الحج، بالنسبة لهم مناسبة طيبة لمقابلة نظرائهم

(1) عبد الرحمن ابن خلدون المقدمة روجعت وقوبلت على عدة نسخ بمعرفة لجنة من العلماء، القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى (ب. ت) ص.541. وقد أفرد ابن خلدون في مقدمته بابا للحديث عن الرحلة في طلب العلم ولقاء المشيخة على أساس أن ذلك مزيد كمال في التعليم. وانظر أيضاً م. منعم مزاوي الحياة الفكرية في العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري، 1700 - 1820 مجلة البحوث التاريخية»، السنة الثانية - العدد الأول (يناير (1980) ص 115. وحبيب وداعة الحسناوي أبو عبد الله محمد عبد الرحمن الحطاب الرعيني (الكبير) 861 - 945 هـ / 1455 - 1547». منشور أعمال ملتقى الدراسات المغربية الأندلسية تيارات الفكر في المغرب والأندلس الروافد والمعطيات، تطوان، جامعة

عبد الملك السعدي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، منشورات الكلية - ندوات 5 (1993) ص 498 - 499، وانظر أيضاً، علي فهمي خشيم أحمد زروق والزروقية، دراسة حياة وفكر ومذهب وطريقة طرابلس المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع

والإعلان (1980) ص 38.

(2) انظر: محمد صالح أيوب، امتداد الحضارة الإسلامية نحو بحيرة شاد مخطوط - تحت الطبع يا هلال والنقل (3) المزيد المعلومات حول تأثير الحج في المجتمعات المحلية الأفريقية انظر:

لمية تختم

H.J.Fisher <<The Central Sahara and Sudan» in Richard Gray (ed)، The Cambridge History of Africa، Vol.4 Cambridge، Candridge University Press \1977 PP 93 - 97.

87

Habib Wadaa El-Hesnawi، Fazzan Under the Rule of the Awlad Muhammad: A study in Political، Economic، Social and Intellectual History، Sebha، the Centre for African Researches and Studies 1990 PP.35 - 61. (reet).

86