أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٤٥في البلدان التي يمرون بها، الأمر الذي قد يؤدي إلى إقامة علاقات وبناء صداقات معهم، فالملوك والأمراء السودانيون، على مختلف دولهم وعصورهم، الذين خرجوا للحج، أتاحت لهم رحلاتهم الحجازية الفرصة للاحتكاك برؤساء وولاة الدول الإسلامية المختلفة التي عاصرتهم في مصر، وشمال أفريقيا والحجاز، وخاصة أولئك الرؤساء والولاة الذين مر الحجاج الملوك الأفارقة عبر الأراضي التي يحكمها هؤلاء والاتصال بمراكز القوة في العالم الإسلامي، وإجراء المراسلات وتبادل الهدايا مع رؤساء هذه القوى واقتباس نظم هذه الدول في الحكم والإدارة.
كما أن الحج يرفع من مكانة الملك أو السلطان في وطنه إذا أدى الحج، وتلقب بلقب «حاج)). فالحج يضفي على الملك أو الأمير الذي يؤدي الفريضة مكانة محترمة بين المسلمين، ومن ثم تتعزز مكانته كأمير للمؤمنين (1). وقد يستخدم الحج أيضاً للدعاية لهذا الملك أو الأمير كشخص كريم معطاء صاحب ثروة، ومال وقد يساعد هذا في جذب مزيد من التجار والعلماء والفقهاء إلى بلاده ليسهموا في تطور البلاد الاقتصادي والثقافي كما فعل منسا موسى ملك مالي عام 724 هـ/ 1324 م (2)، ورغم أن رحلة منسا موسى لم تكن أول رحلة حج يقوم بها ملك سوداني إلا أنه بما خلفته هذه الرحلة من صدى عالمي يرجع له الفضل في جذب اهتمام الباحثين والمؤرخين العرب للحديث عن مالي وتاريخها، بل وبلاد السودان، عموماً وهم يتحدثون عن أخبار رحلته. كما أعطت الملوك
(1) طبقاً لرواية جلال الدين السيوطي، الذي كان يحتفظ بعلاقات قوية مع أهل السودان الغربي الذين كان يطلق عليهم التكرور وعلى بلادهم بلاد التكرور، أن قافلة من أهل التكرور وصلت إلى القاهرة عام 889 هـ / 1484 ف، وكان من بين أعضائها السلطان والقاضي، وعدد من طلبة العلم الذين جاءوا للدراسة على يديه وأن السلطان طلب منه استخدام نفوذه والتحدث نيابة عنه الخليفة العباسي المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب ليمنح سلطان التكرور لقب أمير المؤمنين لحكم بلاده، حتى يصبغ على حكمه صبغة الشرعية، وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية. انظر:
Sartain، E.M، «Jalal al-Din-as Suyuti's relations with the people of Takrur» Journal of Semitic Studies، XVI، (1971) PP.193 - 98.
كما أن الأسكيا محمد (1497) - (1527) ملك سنغاي سأل أيضاً الخليفة العباسي في القاهرة وشريف مكة ـ وطلب منهما تعيينه أميراً للمؤمنين في بلاده انظر: عبد الرحمن السعدي تاريخ السودان، وقف على طبعه من غير تغيير نصه هوداس، أنجى: مطبعة أبريدن (1898) ص 73، يقول السعدي: ولقى في ذلك الأرض المبارك الشريف العباسي فطلب منه أن يجعله خليفته في أرض سغي فرضى له بذلك. وجعله خليفته وجعل على رأسه قلنسوة وعمامة من عنده فكان خليفة صحيحاً في الإسلام. . . ص 73. وللمزيد من النقاش حول هذه الروايات انظر:
Umar al-Nagar، the Pilgrimage traditions in West Africa، Khartoum University Press (1972) PP.18 - 25.
-
،
(2) يذكر ابن خلدون أن منسا موسى ملك مالي (1312) - (1337) عندما جاء القاهرة في طريقه للحج عام 724 هـ / 1324 كان معه حوالي 80 جملاً محملة بالتبر حمولة كل جمل 3 قناطر ابن خلدون العبر وديوان المبتدأ والخبر 7 أجزاء، بيروت: دار الكتاب اللبناني (1959) - (61) الجزء السادس (1959) ص 415 416. وقد أورد العمري فضل الله في مسالك الأبصار في ممالك الأمصار تفاصيل شيقة عن رحلة منسا موسى وكيف أنفق كل هذا الذهب على القبائل القاطنة على طريق رحلته، وأثناء إقامته في القاهرة والأماكن المقدسة، حتى أنه في الأخير استدان مبالغ مالية للصرف على رحلة عودته. وقد انخفضت قيمة الذهب في مصر بسبب الكميات الكبيرة التي أنفقها منسا موسى منه في القاهرة. انظر: ابن فضل الله مسالك الأبصار في ممالك الأمصار السفر الثالث، معهد تاريخ العلوم العربية الإسلامية، جامعة فرانكفورت
العمري:
س (1988)، ص 42 - 47.
والسلاطين السودانيين الإحساس بالانتماء إلى المجتمع الإسلامي العريض، ومكنهم الحج من الحصول على الثقافة الرفيعة والتعامل مع كل الفئات وإصلاح حال رعاياهم وحملهم على الاحتكام إلى الشرعية الإسلامية في قضاياهم ومعاملاتهم، والقضاء على الفساد والسلوك المنحرف في مجتمعاتهم الأفريقية والاستعانة بالعلماء في الإدارة والحكم واستخدامهم في تعبئة المجتمعات المحلية العشائرية البسيطة وصهرها في إطار الدولة الإسلامية التي يحكمها فالإسلام، وعلاقات التجارة والاتصال الثقافي والهجرات والاتصال المباشر بالدول الأخرى أعطت الممالك الأفريقية المسلمة في بلدان الساحل والسودان عموماً مبادئ التنظيم السياسي في الحكم. ومنحت هذه الدول لغة مكتوبة هي اللغة العربية كلغة رسمية مستخدمة في جميع مناشط الحياة وفي دواوين الدولة سواء في الشؤون الداخلية أو الخارجية وفي المراكز الثقافية والمعاملات التجارية والاتصالات الخارجية. ولغة تفاهم مشتركة بين الناطقين بلهجات محلية مختلفة (1). وكما يؤكد الحاج روان أمبابي وهو تحدث عن السودان الغربي في كتابه الإسلام في السنغال ص (47)، إن دخول الكتابة العربية في أفريقيا، أحْدَثَ ثورة اجتماعية وثقافية وفكرية (2)، والواقع أن تأثير اللغة العربية شمل اللغات الأفريقية المحلية أيضاً مثل لغة الولوف ولغة الهوسا على سبيل المثال. وقد أصبحت هذه اللغات مليئة بالألفاظ العربية، والأهم من ذلك استخدامها الحرف العربي في كتابة هذه اللغات كالهوسا والفلانية. لقد كان لهذا الارتباط بين بلدان السودان وبين المغرب والمشرق العربيين الذي كان الحج أحد أهم مقوماته الفضل الأكبر في تشكيل وتوجيه تاريخ هذه البلدان. كما أن عناصر هذا الارتباط من حج وتجارة وثقافة وهجرة … الخ، هي التي أمدت الكتاب والمؤرخين المسلمين بالمعارف الجوهرية عن بلدان السودان وممالكه المختلفة، وجعلتهم المصدر الأول للحديث والكتابة عن تاريخ منطقة بلدان السودان وعن طريق الاحتكاك الحضاري دخل قدر كبير من مظاهر المدنية والعلوم الإسلامية بجانب مظاهر الحياة العربية الإسلامية إلى هذه البلدان وكذلك انتقال بعض العادات ومظاهر الحياة الأفريقية إلى شمال أفريقيا والمشرق العربي فرحلات الحج التي كان يقوم بها ملوك وأمراء السودان، ويصاحبهم فيها عدد كبير من أتباعهم كان لها أثر كبير في دعم الصلات القائمة بين بلدان السودان وبين المشرق العربي والمغرب العربي؛ مما شجع الهجرات المتبادلة بين الشعوب المختلفة لهذه البلدان. وقد أسهمت هذه الهجرات الأفريقية على مر السنين في استقرار أعداد ليست قليلة من الأفارقة في بلدان شمال أفريقيا ومصر والحجاز. وفي مصر، على سبيل المثال، إن حي بولاق كان معروفاً باسم حي بولاق الدكرور المحرفة عن التكرور، وينسب إلى أحد صلحاء التكاررة الذين دفنوا في مصر، وهو الشيخ الصالح أبو محمد يوسف بن عبد الله التكروري، المعاصر للخليفة الفاطمي العزيز بن المعز عام (386 هـ / 996 م. كما يوجد رواق التكاررة كأحد أروقة نيابة (ك)
،
(1) محمد صالح أيوب، امتداد الحضارة الإسلامية نحو بحيرة شاد» - مخطوط - تحت الطبع. (2) نقلاً عن، فاي منصور علي دولة مالي الإسلامية في عصرها الذهبي على عهد السلطان منسا موسى» 712 - 738 هـ 1313 - 1337 رسالة ماجستير - جامعة الأزهر (1980) ص 14.
89
88