أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٤٦الأزهر، ويعرف برواق البرنوية، ينزل فيه طلاب العلم من الكانوري والهوسا (1). وفي مكة المكرمة كان هناك حي معروف للمهاجرين السودانيين يعرف بحي التكرورا العاب لعل الايام
وقد كان يطلق خطأ في المشرق على أهل السودان لقب التكرور، وهذا ما نلاحظه عند المقريزي، وهو يتحدث عن مدرسة ابن رشيق المالكية بالقاهرة التي أنشأها أهل كانم في تشاد الحالية فقال عنها إن الكانم من طوائف التكرور لما وصلوا إلى مصر في سنة بضع وأربعين وستمائة [هجرية] قاصدين الحج. دفعوا للقاضي علم الدين بن رشيق مالاً بناها به ودرس بها فعرفت به، وصار لها في بلاد التكرور سمعة عظيمة وكانوا يبعثون إليها في غالب السنين المال) (2).
إن تاريخ إنشاء هذه المدرسة يشير إلى التأثير الذي بدأ سكان السودان يقومون به في البلدان التي استقروا فيها، وكما يقرر ابن إياس فإن بعض هؤلاء، وقد اندمجوا في المجتمع المصري، قد وصلوا إلى مراتب عالية في الإدارة والجيش في مصر المملوكية (3)
أما الهجرات العربية إلى بلاد السودان، التي بدأت منذ أقدم العصور، فقد زادت بعد دخول الإسلام الذي هيأ لهؤلاء العرب فرص الإقامة والانتشار في بلدان السودان المختلفة؛ مما أسبغ الطابع العربي الإسلامي، على أقسام واسعة من بلدان السودان وخاصة فيما يعرف اليوم بتشاد والنيجر ومالي
وشمال نيجيريا.
بيد أن المخاطر المحفوفة بطرق الحج كانت دائماً، قائمة وقد لا يستطيع المرء النجاة منها حتى ولو كان من رؤساء الدول؛ ذلك أن بعضهم قد قتلوا أو هوجموا من قبل عصابات قطاع الطرق الذين يمارسون الحرابة على الطرق العامة. وقد يسبب اضطراب الأمن على الطرق العامة إلى انقطاع العلاقات التجارية بين الدول، وتعرض قوافل الحجاج إلى السلب والنهب.
مقالات
ولمعالجة احتمالات الهجوم على قوافل التجارة أو قوافل الحج تعمل القوافل على تعيين رؤساء لها، وتعيين عدد من الحراس المسلحين لحماية القافلة، كما يعمل أصحاب هذه القوافل على عقد معاهدات مع بعض القبائل القوية لحماية قوافلهم عند عبورها عبر أراضيهم مقابل مبالغ مالية مقطوعة وهدايا عينية أخرى.
وهكذا كان الحج قناة رئيسية من قنوات الاتصال والتواصل بين شتى مناطق العالم الإسلامي. القليلة دور فزان في تسهيل قوافل الحج السوداني
إن موقع فزان الجغرافي، جنوبي غرب ليبيا الحالية، يجعله على الأقل ملتقى ثلاث طرق
(1) إبراهيم علي، طرخان امبراطورية البرنو الإسلامية القاهرة الهيئة المصرية العامة للكتاب (1975) ص 73، 173. (2) تقي الدين أبي العباس علي المقريزي كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية، الجزء الثاني طبعة جديدة بالأوفست، بيروت: دار صادر ص 365.
(3) نفس المصدر، ص 326.
للحجاج القادمين من شمال غرب أفريقيا والسودان الغربي، والسودان الأوسط (1). وهناك طريق للقوافل المغاربية يمر بفزان وهذا الطريق يبدأ من مراكش ثم يتجه جنوباً إلى درعا ثم إلى توات. ومن هناك تفترق هذه الطريق إلى طريقين: إحداهما تتجه شمالاً إلى طرابلس وهذه هي الطريق التي سلكها الرحالة المغربي أبو سالم العياشي في أواسط القرن السابع عشر (2) والأخرى تتجه شرقاً مباشرة إلى مرزق، عاصمة فزان حيث يصبح من هناك الطريق التجارية الرئيسية التي تمر بأوجلة فمصر. وهذه هي الطريق التي سلكها الرحالة المغربي ابن مليح في رحلته الحجازية 1631/ 1633 (3). وخلال القرن التاسع عشر اكتسبت هذه الطريق أهمية بالغة. وأما طرق حجاج السودان الغربي والأوسط فكانت تتبع طرق تجارة القوافل. وخلال عهد مملكتي مالي وسنغاي كانت تمبكتو المدينة ذات الأهمية الأولى في السودان والطرق التجارية تربطها ومدينة جاو Gao بالشمال عبر توات بجنوب الجزائر، وغات بجنوب غربي فزان ومن المرجح أن هذه هي الطريق التي سلكها أسكيا محمد عام 1498، عندما كان في طريقه إلى مكة. وهناك الطريق التي أصبحت تعرف بطريق الحج تنطلق من تمبكتو وجاو وتمر باير؛ حيث ينظم إلى الطريق السوداني الآتية من المنطقة الشمالية في بلاد الهوسا ثم تتجه شمالاً إلى غات، ومنها إلى مرزق في فزان. أما الطريق الثالثة فتأتي من حوض بحيرة تشاد مارة ببلما، وتلتئم مع الطريق السابقة في مرزق. وإلى أقصى الشرق هناك طريق رابعة تربط واداي أولاً بفزان ثم بعد عام 1837 أصبحت تربط واداي
بالكفرة، جالو ثم إلى بنغازي.
وهكذا نرى أن واحات فزان كانت المناطق الحيوية بالنسبة للتجار والحجاج المسافرين على طول خط هذه الطرق. فالطرق التجارية التي تربط أفريقيا ما وراء الصحراء بشمال أفريقيا والمشرق العربي كانت هي المعابر الحقيقية التي تسرب منها الإسلام وحركة الهجرة والمبادلات التجارية وبالتالي انتقال الأفكار والثقافات بين الشعوب والمناطق المختلفة. وهذا ما جعل العديد من الكتاب والباحثين يربطون بين حركة التجارة وانتشار الإسلام في أفريقيا (4).
وبما أن متطلبات الحياة المادية في الصحراء وبلدان الساحل الأفريقية (السودان) كانت نادرة فإن شعوب هذه المناطق حاولت الاحتفاظ بعلاقات تجارية ثابتة مع شمال أفريقيا، لكي تؤمن لنفسها
(1) انظر: 259 - 256. Habib El Hesnawi، Fazzan under the rule of the Awlad Muhammad، P (2) أبو سالم العياشي: الرحلة العياشية ماء الموائد (جزءان) ط 2 مصورة بالأوفست وضع فهارسها محمد حجي، الرباط: دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، سلسلة الرحلات (1)، (1977). (3) أبو عبد الله محمد أحمد القيسي الشهير بالسراج الملقب بابن مليح أنس الساري والسارب من أقطار المغارب إلى الآمال والمآرب سيد الأعاجم والأعارب، 1040 - 1630/ 1042 - 1633 م. حققه وقدم له وعلق عليه محمد الفاسي، المملكة المغربية، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية والتعليم الأصلي، سلسلة الرحلات 5 - حجازية 2، (فاس 1968).
منتهى
بن
(4) انظر على سبيل المثال:
(نعيم قداح، حضارة الإسلام وحضارة أوروبا في أفريقيا الغربية ص 85 - 100. سير توماس. و. أرنولد الدعوة إلى الإسلام بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية.
()
91
(oset).
90