أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٤٧تدفقاً مستمراً للبضائع من الشمال وبفضل موقع فزان الجغرافي كان الفزانيون منذ عهد الجرمنت على اتصال دائم مع الشعوب المجاورة لهم؛ حيث أقاموا روابط تجارية مع شمال أفريقيا وبلدان
السودان.
،
لقد كانت التجارة على نفس الدرجة من الأهمية بالنسبة لشعوب الصحراء، والسودان وسكان أفريقيا الشمالية إلا أنها بالنسبة لفزان كانت جزءاً لا يتجزأ من حياتها الاقتصادية وتطورها وعمرانها البشري، واستقرار نظامها السياسي. وقد أشار إلى هذه الحقيقة الفقيه الفزاني الكبير، الشيخ علي أبو بكر الحضيري (1572 ـ 1651)، الذي عاش في القرن السابع عشر، في منظومة شعرية بعثها للوالي العثماني في طرابلس، محمد باشا الساقزلي 1632 ـ 1649)، يقول فيها: (1)
فزان بالمرور للخطار قنطرة للحجيج والتجار ال لأنها ضعيفة المعاش بغير خطار فلا فيها شيء وقد يجادل المرء بأن الشهرة والازدهار، اللذين تمتع بهما فزان خلال تاريخه الحديث المبكر، يرجعان إلى تدفق تجارة القوافل المارة بواحاته ومراكزه التجارية. وقد لاحظ محمد بن عمر التونسي الذي زار مرزق في مطلع القرن التاسع عشر (1812)، أن الفضل في قيام مدينة مرزق يرجع إلى تجارة القوافل (2). وبتدهور تجارة القوافل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أخذ فزان يسير نحو الانحطاط المستمر حيث أصبحت القرى والتجمعات السكانية الكبرى بفزان كتامزاوة، تساوة، معفن وجرمة التي كانت يوماً من الأيام مزدهرة أصبحت خربة (3).
من هذه الخلفية يجب أن ننظر إلى الاتصالات الخارجية لأدوات الحكم التي قامت وتعاقبت على الحكم في فزان خلال تاريخه والأسباب التي دفعت هذه الأدوات أو الحكومات إلى الاحتفاظ بعلاقات ودية مع شركائهم في دول وإمارات الصحراء وبلدان السودان. وكذلك فهم الأسباب التي جعلت السودانيين يحتفظون بعلاقات طيبة مع فزان التي يتوقف عليها سلامة الطرق، ومن ثم حجم تجارة شمال - جنوب، وكثافة حركة السفر والمرور السلمي بين الشمال والجنوب، والمغرب والمشرق على حد سواء.
وكما أشرنا إلى المخاطر المحتملة على طرق الحج والتجارة كان الحجاج يسافرون في مجموعات على أساس انتمائهم الجهوي ولكن بالتأكيد كان بعض الحجاج يسافرون فرادى، أو في مجموعات صغيرة جداً، وقد يلتحقون بمجموعات أكبر في بعض مراحل الطريق. وكانت الطرق الأكثر أمناً، والخالية من الاضطرابات والأقل تعرضاً للاعتداء والمخاطر هي المفضلة دائماً للحجاج. وعلى هذا الأساس اعتبر فزان طوال معظم، تاريخه مكاناً آمناً ويفضل المسافرون السير عبر واحاته سواء بغرض التجارة أو بغرض الحج.
Habib W.El-Hesnawi، Fazzan Uner the Rule of the Awlad Muhammad، P.230. Tunisi (El-Tounsy) Muhammad bin Umar، Voyage au Ouadiy، Translated by Dr.Pernon Paris (1851)، P.557. El-Hesnawi، Fazzan Under the rule of the Awlad Muhammad P.231.
(1)
(2)
(3)
ات وتشير الدلائل التاريخية أن فزان منذ فجر إسلامه كان منطلقاً لقوافل الحج، وممراً لقوافل الحج السودانية والمغاربية. فمنذ القرن التاسع يبدو أن هناك ركباً سنوياً للحج ينطلق من فزان.
(1)
فوفقاً لرواية الجغرافي العربي اليعقوبي، الذي كان يكتب في القرن الثالث للهجرة، فإن أهالي زويلة بفزان كانوا مسلمين يواظبون على أداء مناسك الحج). وإذا كانت رواية اليعقوبي تعني أن بعض الحجاج الزويليين على الأقل، كانوا يسافرون إلى الحج سنوياً، فمن المرجح إذن أن موقع مدينة زويلة المشرف على طريق الحج ازدادت أهميته منذ ذلك الوقت، وأن قوافل سنوية منتظمة للحج قد بدأت من فزان ومع انتشار الإسلام في السودان بازدياد المسلمين وترسخ الإسلام في المناطق السودانية، بدأت تنتظم قوافل الحج السودانية ويزداد عدد المشاركين فيها. وكان فزان الممر الطبيعي لتلك القوافل.
،
ومع تطور نظام قوافل الحج وترسخ تقاليده في شمال أفريقيا والسودان، فإن سفر حجاج، فاس، سجلماسة مراكش الساقية الحمراء، وأجزاء أخرى من الصحراء، بالإضافة إلى السودان الغربي والأوسط، أو ما يعرف اليوم ببلاد الساحل وبلاد الهوسا أصبح حدثاً دينياً هاماً، ومناسبة اجتماعية كبيرة، وموسماً تجارياً منتظماً وينتظره التجار والحجاج والمسافرون من كل الأصقاع ويجتمعون لأجله في مرزق وتستعد له حكومة فزان استعداداً غير عادي عند مرور الحجاج بفزان، وهم في الطريق إلى مكة أو أثناء عودتهم من أداء فريضة الحج. والمصادر التاريخية، رغم قلتها تلقي ضوءاً كافياً على الطريقة التي كانت تعامل بها السلطات في فزان الحجاج. وهذه المصادر تعود إلى مرحلة حكم أولاد محمد بفزان (2). وتؤكد أن سياسة أولاد محمد تجاه الحج والحجاج تقوم على مبدأين: أولهما: الاعتناء بالحجاج وتقديم كل المساعدة الممكنة لهم، وثانيهما: السعي لإقامة علاقات سياسية وتجارية مع بلدان هؤلاء الحجاج الذين اعتادوا السفر للحج عبر فزان. ويعطينا الرحالة المغربي ابن مليح معلومات مفيدة، وتفاصيل طريفة، حول استقبال السلطان محمد بن جهيم بمرزق لقافلة الحجاج المغربية عام 1631، والإجراءات التي أمر باتخاذها السلطان لمنع زيادة الأسعار، أو الإساءة للحجاج، والإجراءات الأمنية التي اتخذت لمراقبة القافلة؛ حيث إن المعلومات الأولية التي
القائمة
(1) اليعقوبي، نقلاً عن:
N.Levtzion، 8; J.F.P. Hopkins (eds) Corpus Of Early Arabic Sources for West African History، Cambridge University Press (1981) P.22.
(2) أهم الرحلات المنشورة في هذا المجال، ووصلت إلى أيدينا هي: أ ـ ابن مليح، أنس الساري والسارب انظر الهامش رقم 18 أعلاه)
ب - فريد ريك هورنمان رحلة من القاهرة إلى مرزق 1797 - 1798. وقد نشرت هذه الرحلة معربة، دار الفرجاني بطرابلس
مع رحلة أخرى بعنوان رحلة ورسائل الرائد ألكسندر جوردون لينج 1824 - 1826 في مجلد واحد بعنوان: رحلتان عبر
،
نقله إلى العربية، دار الفرجاني طرابلس - ليبيا - مكتبة الفرجاني (1974).
ليبيا
93
92