أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٤٨وصلت السلطان عن هذه القافلة توحي بأنها جيش غازي. فطاش عقله عند سماع هذه المعلومات على حد تعبير ابن مليح ولكن عندما تأكد أن هذه معلومات مغلوطة، وأن القافلة قافلة حجاج، أمر السلطان بتقديم كل التسهيلات اللازمة للحجاج وخرج بنفسه على رأس مستقبليهم على مشارف العاصمة، مرزق واستضافهم لمدة ثلاثة أيام في الذهاب والإياب (1).
،
وكما يؤكد ابن مليح، وكذلك الرحالة الألماني فريدرك هورنمان الذي صحب قافلة للحجاج من القاهرة إلى مرزق عام 1798 أن المواطنين الفزانيين الميسورين في القرى والواحات على طرق الحج، كانوا يستقبلون قوافل الحجاج، ويقدمون لها الضيافة اللازمة (2). كما أن السلطات الفزانية كانت تعفي بضائع الحجاج من الضرائب والمكوس الجمركية)
إن رواية ابن مليح في عام 1633/ 1631 وهو رنمان في عام 1798 تشيران إلى المعاملة التي عادة ما كانت تتلقاها مجموعات الحجاج الكبيرة المنتظمة الذين يمرون بفزان. كما أنه من المرجح أن أولاد محمد قد قدموا مساعدات لقوافل الحجاج من الأسر الحاكمة والقادمين من ممالك السودان أو بلاد الساحل، مروراً بفزان أيضاً في إطار هذه السياسة العامة.
وترجع تواريخ السفر المدونة لملوك وأمراء الإمارات الإسلامية السودانية للحج إلى القرن الحادي عشر. فحسب ما ورد في تاريخ ملوك كانم المشهور بالديوان وقام بتحقيقه وترجمته للفرنسية الباحث الألماني ديرك لينج الذي قضى فترة طويلة بجامعة أنجامينا أن الماي دونمة ديلامي قد أدى الحج مرتين فيما بين 1098 - 1150 ومات غرقاً في البحر الأحمر في أثناء سفره إلى الحج
للمرة الثالثة (4)
،
وإذا صحت هذه الرواية، فإنه من المرجح أن يكون الماي قد سلك الطريق الذي يمر بفزان، مما يدعو إلى الاعتقاد أنه ربما يكون قد أقام نوعاً من العلاقات أو الاتصالات الدبلوماسية مع بني حطاب، حکام زويلة في ذلك الوقت.
(1) ابن مليح، ص 32 - 33.
وابة تلفها
(2) نفس المصدر، ص 34، يتحدث ابن مليح عن وصول قافلة الحجاج المغربية إلى بلدة تراغن الواقعة إلى الشرق من مرزق بحوالي 45 كيلومتراً، حيث خرج كبير أعيانها واسمه عمر بن تامر مع أولاده وخدمه وأعيان بلدته لاستقبال الركب خارج البلدة، وأصر على إقامة القافلة في ضيافته ثلاثة أيام فجاد جود السحاب، ومنح مما أعطاه الكريم الوهاب، ووسع الناس بضيافته، وأكرمهم من جزيل نعمائه. على حد تعبير ابن مليح. أما فريدريك هورنمان، الذي صحب قافلة حجاج عائدة من مصر إلى أفريقية، فقد وصف استقبال الشريف الهندي نقيب أشراف زويلة للركب وما قدمه من واجب الضيافة لجميع أفراد القافلة؛ حسب التقاليد المتبعة في المدينة. وفي المساء لقينا برهاناً آخر على كرم العرب، فقد أحضر أحد عبيد الشريف إلى خيمتنا طبقاً من اللحم والمرق وعشرة أرغفة صغيرة، تمشياً مع عادة قديمة للشريف يتبعها ويلتزم بها بدقة عند وضول كل قافلة، ثم سرعان ما أرسل لكل واحد منا ثلاثة أرغفة صغيرة لطعام الإفطار ص 127. (3) هورنمان، ص 129
Dierk Lange، Le diwan des Sultans (Kanem) Bornu: Chronologie et histoire d'un Royaume Africain (de la fin du X siecle (4) jusqu'à 1808).
ووفقاً لما ورد في الديوان (ص 32 - (33) فإن الماي قد ترك في مصر ثلاثمائة من الرقيق في كل
من رحلتيه الأوليين، وأنه عندما جاء في المرة الثالثة بدأت تنتاب أهل مصر مخاوف منه، وربما اعتقدوا أنه كان يخطط لغزو. بلادهم فأحدثوا عطباً في سفينته فغرق في البحر. وبفضل هذه الرحلات الحجازية المتعددة التي قام بها الماي إلى مكة فقد أصبح الماي دونمة ملكاً مسلماً حقاً، وترسخت، منذ ذلك الحين، قيم ومبادئ الإسلام في مملكة كانم بعد انفتاحها على العالم الإسلامي في المشرق واتصال رجالاتها بعلماء الشرق العربي الإسلامي، وبعلماء شمال أفريقيا الذين كان لهم نشاط علمي متميز في بلاد السودان؛ وخاصة علماء المذهب الإباضي في عهد دولة الإباضية في زويلة (1).
بني
الخطاب
حامل
إن هذه الرحلات الملكية المبكرة للحج أقامت تقليداً سار عليه من جاء بعد الماي دونمة من ملوك كانم وغيرها من الممالك السودانية في بلاد الساحل وبلاد الهوسا وفتحت الباب أمام مزيد من الاتصالات الثقافية والسياسية والاقتصادية مع العالم الإسلامي المجاور لهم. فمنذ ذلك الوقت نجد سلسلة متعاقبة من رحلات الحج الملكية من كانم ومالي. وقد ناقش الدكتور عمر النقر المعلومات المتوفرة عن الرحلات الملكية للحج من مالي - سنغاي، وكانم برنو في الفترة ما قبل الجهاد (2). وعلى العموم فإن المعلومات المتوفرة عن رحلات الحج التي قام بها الملوك من إمارات، أو دويلات بلاد الساحل وبلاد الهوسا متفرقة والمصادر التي أرخت لهذه الرحلات لا تقدم معلومات كافة، وقد نستدل على الملك أو الأمير مير من وجود لقب «الحاج» ملحقاً باسمه. غير أن هذا المعيار ليس دقيقاً على الإطلاق؛ فديوان ملوك كانم على سبيل المثال يضيف اسم «حاج» إلى عدد من الملوك. ولكنه لا يضيف هذا اللقب إلى الماي علي بن عمر (1639 - (1677)، الذي أدى الحج
خمس مرات (3).
(1) لمناقشة هذه النقطة انظر:
حج
الورى
Tadeusz Lewicki، «La réparition géographique des groupements Ibadites dans L'Afrique du Nord au moyen-âge، <«<Rocznik Orientalistyczny، XXI، 1957، PP.301 - 43.
- LEtat nord-africain de Tahert et ses relations avec le Soucdan Occidental à la fin du VIII et au IX siecle، Cahiers d'études Africaines، VIII، 1962، PP.513 - 35.
- <<Traits d'histoire du commerce trans-Saharien: marchands et missionaires Ibadites en Soudan Occidental et Central au cours des VIII-XII siecle»، Etnografia Polska VIII 1964، PP.291 - 113. Al-Nagar، op.cit.PP.3 - 36.
U(2)
(3) بشأن إطلاق لقب «حاج على المايات الكانميين - البرناويين انظر ديوان سلاطين كانم - برنو على سبيل المثال، ص 38،
57.56.55
أن الماي علي بن عمر الذي قام بإداء فريضة الحج خمس مرات فيبدو أن زياراته المتتالية لمكة عبر فزان، قد حظيت بدعاية كبيرة، وتركت آثارها على التاريخ المحلي لفزان. ذلك أن الناس في ذلك الوقت كانوا يتذكرون جيداً تلك الزيارات لدرجة أنها صارت تواريخ يؤرخون بها، وينسبون لها بعض الأحداث والوقائع المحلية. وهناك وثيقة عثرنا عليها لدى أحد مواطني بلدة آقار بوادي الشاطيء، تعود إلى مرحلة الماي المذكور بشأن استصلاح الأراضي الشمالية لبلدة آقار، أنه بدأ بعد مجيء أو رحلة السلطان علي الأولى. وتشير هذه الوثيقة أيضاً، إلى أن الماي جاء إلى فزان أكثر من مرة. انظر: حبيب =
95
94