أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٤٩،
والمصادر التي تناولت أخبار رحلات الحج الملكية لم تتعرض أيضاً بصراحة إلى الطرق التي سلكتها قوافل تلك الرحلات في ذهابها أو إيابها، كما لا تتكلم عن البرنامج الزمني لسير الرحلة. ومع ذلك فإن المصادر مليئة بالإشارات إلى رحلات الحج والتي قام بها المسؤولون السودانيون والعلماء، وكذلك الوجهاء وكانوا في رحلاتهم هذه يمرون عبر فزان وخاصة في عهد أولاد محمد، وما بعده. وهناك إشارات إلى أن حجاج السودان الغربي كانوا يسافرون في السابق عبر توات، فغدامس ثم طرابلس (1)، وأن بعضهم استمر على ذلك حتى فترات متأخرة.
لقد أقام أولاد محمد في فزان حكماً وراثياً، ووفروا الأمن لطرق القوافل المارة بالمنطقة. وقد أدت الفوضى التي حلت بالسودان الغربي عام 1591؛ نتيجة للغزو المغربي للمنطقة إلى تحويل تجارة القوافل إلى بلاد الهوسا عبر طريق إير - غات - غدامس - طرابلس، كما أقيم أيضاً الاتصال بين توات - مرزق عبر غات وازدادت الاتصالات بين مرزق وبلاد الهوسا عبر غات - إير.
(2)
قايتما
ويبدو أن قوافل الحج من تمبكتو ومناطق مالي الأخرى بدأت تستخدم طريق توات - مرزق ابتداء من القرن السابع عشر أما ملوك كانم - برنو فقد كانوا يستخدمون الطريق الرئيسي للتجارة التي تمر بفزان. لقد أصبح حج ملوك كانم - برنو تقليداً عريقاً منذ القرنين الحادي عشر والثاني عشر. وحج هؤلاء الملوك يعكس مدى انتشار الإسلام ورسوخه في بلادهم، ورغبتهم في إثبات هويتهم الإسلامية بالنسبة لرعيتهم، واستغلاله كأداة للسياسة الخارجية. فقد استخدم هؤلاء الملوك مناسبة الحج لإيجاد وداعة الحسناوي، وثائق دولة أولاد محمد بفزان المجلد الأول، طرابلس مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية
(1)
(2)
(1994) ص 499.
El Hesnawi، Fazzan Under the Rule of the Awlad Muhammad، P.264. Ibid، P.265.
،
C
أن حاكم
تتحدث المصادر عن علي بن عبد القادر باشا تمبكتو (1628) - (1632) الذي قرر أداء فريضة الحج عام 1631، حيث غادر تمبكتو وبصحبته القاضي محمد بن عبد العزيز الجراري، وأحد أبناء الشيخ أحمد بابا المدعو محمد. وقد سافروا إلى أروان ومنها إلى توات حيث التقوا بقافلة حجاج مغربية في طريقها للحج عن طريق فزان وأنظموا إليها. بيد تمبكتو لم يستطع مواصلة رحلته إلى الحج، كما يقول ابن مليح أحد أفراد القافلة المغربية، والذي سجل هذا الحادث في رحلته. ولكنه لم يعط تفسيراً لسبب توقف علي باشا بن عبد القادر، أو بالأحرى إلغاء رحلته المشرقية، انظر، ابن مليح، ص 29. بيد أن المؤرخ السوداني عبد الرحمن السعدي يقدم لنا شرحاً لسبب اضطرار علي بن عبد القادر للعودة إلى تمبكتو من توات. حيث يقول أن علماء جامع سنكري حاولوا منذ البداية إقناع الباشا بالعدول عن الذهاب لمكة، خوفاً مما قد يحدث في أثناء غيابه ويضيف السعدي أن قوات الباشا قد هوجمت في توات من قبل زعيم البرابيش القلالي بن عيسى الرحماني الذي كان بينه وبين الباشا ثأر شخصي. وقد أجبر الباشا الذي كان المهاجمون يريدون قتله على طلب الحماية من العالمين الجليلين المرافقين له فدخل عليهما في فسطاطهما واستجارهما فتركوا نفسه في حرمتها ولكن صدوه عن الحج بعد ما قتلوا من قتلوا من أصحابه ولم يسمح المهاجمون إلا للاثنين من العلماء من رفاقه المذكورين بمواصلة سفرهم إلى الحج. أما الباشا فقد أجبر على العودة إلى تمبكتو من جانب المهاجمين بعد أن دفع فدية عن نفسه، انظر، السعدي، تاريخ
السودان، ص 233 234
الأوسع.
(1)
أنه
روابط وثيقة مع بلدان شمال أفريقيا وخاصة طرابلس وإدخال بلادهم في إطار العالم الإسلامي وتشير المصادر التي بين أيدينا كما أشرنا بصورة صريحة وغير صريحة، إلى حج عدد من مايات أو (ملوك) كانم - برنو من بينهم الماي علي دونمة (1465) - (1496) الذي مر بفزان، وهو في طريقه للحج عام 1484 م. وهناك دليل آخر، في مؤلف الإمام أحمد بن فرتوا، يفيد باحتمال حج الماي إدريس بن علي (1697 - (1519 مرتين كما حقق ذلك عمر النقر. ويتضح من سياق رواية الإمام بن فرتوا أن هذا الماي استخدم مناسبة الحج لتحقيق إنجازات عظيمة في مجال السياسة الخارجية والعلاقات العامة. فيخبرنا ابن فرتوا أن من بين تلك الفوائد هو حصول الماي على عدد من البنادق التركية المسماة «الموسكيت»، وقد ساعدته هذه الأسلحة المتطورة في حسم إحدى أهم المعارك ضد أعدائه لصالحه (2). ومن المحتمل أن الماي توقف في طريق عودته من الحج في. طرابلس، حيث التقى بالمسؤولين العثمانيين في طرابلس الذين ناقش معهم سبل إقامة ودعم العلاقات الطيبة بين البلدين. وحاجته من الأسلحة والجنود المتدربين كانت إحدى القضايا التي ناقشها معهم؛ لكي يحارب بها الكفار الذين استغرق فترة طويلة من حكمه في محاربتهم. ويبدو حصل على حاجته من هذه الأسلحة والأرقاء المماليك كهدية من الوالي العثماني بطرابلس، أو سمح له بتجنيد هؤلاء المماليك كمتطوعين أو اشتراهم بالطرق المتبعة آنذاك. ويخبرنا ابن فرتوا أن الماي المذكور عندما وصل إلى الحجاز واستقر هناك، اشترى داراً (نزلاً) وبستاناً للنخيل في المدينة المنورة، وترك هناك بعض الرقيق. ويذكرنا هذا النزل بالنزل الكانمي في القاهرة في القرن الثالث عشر أما الحج الثاني المسجل من برنو بعد حجة إدريس ألوما فهو حج الماي عمر بن إدريس (1619 ـ 1639 م) ابن ألوما وثالث خلفائه. فوفقاً لرواية جيرالد الأسير الفرنسي في طرابلس، الذي أسر في عهد عثمان باشا الساقزلي، وقضى في طرابلس حوالي عشر سنوات قبل أن يطلق سراحه عام 1676 م، أن الماي عمر ذهب إلى الحج في عام 1642 م يرافقه ابنه علي. وقد جرى تبادل الرسائل والهدايا بينه وبين محمد باشا الساقزلي في طرابلس في عامي 1636 و 1638 (4)، وقد ساعد الماي السلطات العثمانية في طرابلس أثناء صراعها مع أولاد محمد علي حكم فزان، وذلك بقتله السلطان الطاهر بن المنتصر الفاسي عام 1623 م، الذي فر إلى برنو لاجئاً بعد أن أجبره العثمانيون على التخلي عن مرزق في ذلك العام.
(3)
اطلاة
al-Naqar، op.cit.pp.31. Ibib، p.31.
(1)
(2)
Ibib.
(3)
In C.de la Roncière، «Une histoire du Bornu au XVIIe siècle par un chirurgien Francais captif à Tripoli»، Revue (4) d'histoire des colonies francaises، 7،3، (1919) p.79.
97
96