أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٦٠

كانت السلع الرئيسيةُ التي تنقلها القوافل إلى السودان الغربي تشمل الحبوب والتمور والأقمشة والمصنوعات المعدنية والجلدية وصنوفاً من النظم من الزجاج والأصداف، والخواتم والقطران والأخشاب والعطور والملح الذي كان السودان في أمس الحاجة إليه. يذكر العُذري مدينة شاطبة بشرق الأندلس والتي اشتهرت بصناعة الكاغد وتصديره، فيقول إن التجار يتجهزون فيها بالأمتعة إلى غانة وبلاد السودان وإلى جميع بلاد المغرب» (1). ويذكر الإدريسي، وهو من أبناء سبتة، أن بمدينة سبتة سوقاً التفصيل [المَرْجان] وحكّه وصُنْعه خرَزاً وثَقْبه وتنظيمه … وأكثر ما يُحمل إلى غانة وجميع بلاد السودان لأنه في تلك البلاد يُستعمل كثيراً) (2). وكان التجار المغاربة يستبدلون هذه السلع بغلات السودان، وهي الذهب والعاج والأبنوس، إلا أن السلعة الرئيسية كانت تبر الذهب في

حوض نهر السنغال.

وكانت التجارة بين المغرب والسودان الغربي قائمةً على نطاق واسع، حتى إن نظام الصكوك استحدث تيسيراً للعمليات التجارية. يقول ابن حوقل ولقد رأيتُ بأودغست صكاً في ذِكْرِ حق لبعضهم على رجل من تجار أو دغست، وهو من سجلماسة باثنين وأربعين ألف دينار. وما رأيتُ ولا سمعت بالمشرق لهذه الحكاية شبيهاً ولقد حكيتُها بالعراق وفارس و خراسان فاستُطرفت.

الكال

10. 20

وتلقي كتب الطبقات والسِّير ضوءاً على موضوع تجارة القوافل واتصال المغاربة ببلاد السودان منذ وقت مبكر. ففي كتاب (المغيار (المُعرب للونشريسي فتويان للفقيه القيرواني البارز القابسي / ابن القابسي (ت 403 (1012) فيها دلالة ثابتة على قيام تبادل تجاري منذ أواخر القرن العاشر الميلادي بين إفريقية البلاد التونسية وبلاد السودان، التي كان ما يزال معظم سكانها من الوثنيين. وتتناول الفتوى الأولى موضوع قراض (commenda) تم في القيروان مع شخص توجه إلى تادمكة، ومنها توجه إلى غانة وأودغست، حيث تزوج ورزق أطفالاً، وغاب عن وطنه إحدى عشرة سنة، وكان عليه دَيْن في بلده، وبعد وفاته باع القاضي ممتلكاته، فتقدَّم صاحبُ القِراض يطالب بحقه كدائن. وتدور الفتوى الثانية حول نزاع بشأن ميراث تاجر من أفريقية توفي في بلاد السودان دون أن يترك وصية

(3) -

ويذكر ابن الصغير المالكي أن أفلح صاحب تاهرت أوفد في القرن الثالث الهجري سفارة إلى ملك السودان على رأسها محمد بن عرفة (4). كما يذكر صاحب (رياض النفوس) زنجيات

مدريد 1965، ص

19

الدلائي): ترصيع الأخبار .. (1) العُذري، أحمد بن عمر) (2) الإدريسي محمد وصف أفريقيا الشمالية والصحراوية قطعة مستخرجة من كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)

الجزائر 1957، ص 108 (3) بريت (Brett) ، م: فتويان من أواخر القرن الرابع الهجري تتناولان التجارة عبر الصحراء»، بحث قدم في الندوة الخاصة بتجارة القوافل عبر الصحراء التي نظمها مركز بحوث ودراسات الجهاد الليبي بمدينة طرابلس في شهر اكتوبر 1979، ص 1 (4) ابن الصغير المالكي: أخبارُ الأئمة الرستميين، الجزائر 1986، ص 62.

2_

ممرضات في دمنة القيروان على عهد الأغالبة (1). ومما يُذكر أن أبا يزيد مَخْلَد بنَ كَيْداد، الثائر على العبيديين في أفريقية في منتصف القرن العاشر الميلادي كان يُشار إليه بالحبشي الأسود، إذ وُلد لتاجر من منطقة الجريد بأفريقية من جارية سودانية في تادمكة (أو) كوكو - Gao) (2) . كما أن مؤسس دولة مدرار بسجلماسة كان من أصل سوداني (3). إن كلَّ ذلك يدلُّ على اتصال المغاربة ببلاد السودان منذ وقت مبكر، وتزاوجهم مع أهلها. الإسلام في غانة وتكرور

بني

لما انا بيت الله المياه والتير مها نيها شيعي

كانت مملكة غانة القديمة تشمل المنطقة الواسعة عند الطرف الجنوبي من الصحراء الكبرى، إلى الشمال مباشرة من أعالي نهري السنغال والنيجر، فهي تبعد نحو خمسمائة ميل إلى الشمال الغربي من أقرب نقطة عند حدود دولة غانة الحديثة التي اتَّخذتْ اسمها منها، بوصفها أعرقُ ممالكِ السودان الغربي.

إن المعلومات المتوفرة لدينا عن مملكة غانة القديمة التي بلغت أوْجَها في القرن العاشر الميلادي مستمدة مما كتبه الجغرافيون العرب، وخصوصاً ابن حوقل والبَكْري. وكان الاسم «غانة» يُطلق على الملوك، وكذلك على البلاد وعاصمتها. وقد اندثرت مدينة غانة، إلا أن الحفريات اهتدت إلى موقع الحي الإسلامي منها في كُمْبي - صالح بجنوب موريتانيا، وعُثر فيه على حجارة عليها كتابات عربية تتضمن آيات من القرآن الكريم (4).

كان رخاء مملكة غانة يقوم بالدرجة الأولى على سيطرتها على تجارة الذهب، ولذلك عُرفت ببلاد الذهب، يقول ابنُ حَوْقل: وانة أيسرُ مَنْ على وجه الأرض من ملوكها بما لديهم من الأموال المدخرة من التبر المُثار … وحاجتهم إلى ملوك أودغست ماشة وحاجتهم إلى ملوك أو دغست مائة من أجل الملح الخارج إليهم من ناحية الإسلام، فإنه لا قوام لهم إلا به (5). إن أوفى المعلومات عن مملكة غانة في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي هي تلك التي أوردها أبو عبيد البكري، الذي فرغ من تأليف كتابه القيم المسالك والممالك) سنة 460/ 1068، وهو وإن لم يبرخ موطنه الأندلس، إلا أنه استمد معلوماته عن حاضرة غانة من التجار المغاربة الذي عرفوا المدينة جيداً بحُكم تردُّدهم عليها. يقول البكري: ومدينة غانة مدينتان سهليتان إحداهما المدينة التي يسكنها المسلمون، وهي مدينةً كبيرةً فيها اثنا عشر مسجداً، أحدها يُجمعون فيه، ولها

(1) عبد الوهاب، حسن حسني ورقات في الحضارة العربية بأفريقية التونسية، تونس 1972، 1/ 278. (2) ابن حماد، محمد: أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم، الجزائر 1927، ص 18.

(3) البكري، أبو عبيد عبد الله المُغرب» في ذكر بلاد أفريقية والمغرب (قطعة مستخرجة من كتاب: المسالك والممالك)،

(4)

باريس 1965،

ص 149.

(5) ابن حوقل محمد صورة الأرض بيروت (د. ت.)، ص 96.

Caimbridge History of Africa، Cambridge U.P. 1978، p.674.

119

118