أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٦١الأئمة والمؤذنون والراتبون، وفيها فقهاء وحملة علم … ومدينةُ المَلك على ستة أميال من هذه وتسمى بالغابة … وفي مدينة الملك مسجد يصلّي فيه من يفد عليه من المسلمين على مقربة من
وفي وتراجمة الملك من المسلمين وكذلك صاحب بيت ماله وأكثر
مجلس حكم الملك. وزرائه» (1).
من هذا يتبيَّن أن الملك وغالبية رعيته كانوا من الوثنيين، وأن الملك كان متسامحاً مع المسلمين بحيث أذن لهم ببناء مدينة خاصة بهم، وفيها مساجدهم، كما أنه اعتمد على المسلمين في إدارة
مملكته.
ويتحدث البكري عن مثول الرعية أمام الملك في غانة فيقول: «فإذا دنا أهل دينه منه جنوا على رُكبهم ونثروا التراب على رؤوسهم، فتلك تحيَّتُهم له، وأما المسلمون فإنما سلامهم عليه تصفيقاً باليدين» (2). كما قاله قلبه
بينت الحفريات في أو دغست وجودَ علاقات بينها وبين العُبيديين بأفريقية. فقد عُثر على ثلاثين قطعة بلوريةَ كلُّها بأسماء الخلفاء الفاطميين، ويرجع تاريخ القطعة الأولى منها إلى عهد عبيد الله المهدي (النصف الأول من القرن العاشر ويرجع تاريخ القطعة الأخيرة منها إلى أوائل القرن الحادي عشر. إن تحوُّلُ العُبيديين من أفريقية إلى مصر لم يكن لأسباب اقتصادية، إذ بتحولهم فقدوا نظاماً اقتصادياً قائماً بين المغرب والسودان، ولم يعذ ذهبُ السودان يصل إلى مصر الفاطمية، مما اقتضى إقامة نظام اقتصادي جديد (3).
اللغات
إلى الغرب من مدينة غانة كانت مدينة تكرور (ومنها اشتقت التسمية Tokolor في الأوروبية التي كانت تقع عند المجرى الأدنى لنهر السنغال، غير بعيد عن ساحل المحيط. كان أهل تكرور (التكارير التكارنة وثنيين إلى أن أسلم ملكهم وازجابي بن رابيس المتوفى سنة 432/ 1041. ويقول البكري إن أهل تكرور اليوم [أي سنة 1068/ 460] كلُّهم مسلمون» (4) ويؤكد ذلك ابن حزم الأندلسي إذ يقول: بلغتُ في عام إحدى وثلاثين وأربعمائة أنه أسلم أهلُ سِلَّى وتكرور، وهما أمَّتان عظيمتان من بلاد السودان، أسلم ملوكهم وعامتهم (5).
703
عيل إن التكارير كانوا أول من اعتنق الإسلام من أهل السودان الغربي، وعملوا بنشاط على نشره بين القبائل المجاورة لهم، وأصبحت التسمية تكرور» مرادفة للسودان الغربي عند المؤرخين العرب في المشرق، بعد القرن الرابع عشر كابن فضل الله العمري والقلقشندي وعن أثر احتكاك التكارير
(1) البكري، ص 175. (2) نفسه، ص 176.
بالمغاربة يقول ابن سعيد: ومَنْ خالط البيضَ [أي المغاربة]،وتحضّر اتَّخذ لباسه من الصوف والقطن، وذلك مجلوب له .... وباديتهم عُراةٌ، المسلمون منهم يسترون فروجهم بعظام أو جلود، والكفار لا يستترون (1). ويقول البكري إن أهلَ سِلَّى يتبايعون بازُرِ لطاف من قطن يسمونها الشكيات (2)، مما يوحي بأن زراعة القطن وحياكة الأقمشة القطنية وصلتا بلاد التكرور والسودان الغربي عن طريق التجارة مع المغاربة والاحتكاك بهم. المرابطون والسودان الغربي
العلام
إلى أن ظهر المرابطون في منتصف القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، كان الإسلام ينتشر سلمياً وباضطراد في غرب أفريقيا جنوبي الصحراء على أيدي التجار المغاربة. إن طابع الدولة المرابطية منذ نشأتها - كما يُستدل من اسمها - كان الجهاد في سبيل الإسلام ونشره والقضاء على البدع وعبادة الأوثان إن جهادَ المرابطين في الجنوب أدى إلى انتزاعهم أو دغست سنة 1054 م من يد ملك غانة، كما أدى إلى استيلائهم على عاصمة غانة ذاتها سنة 1076 والقضاء على مملكته الوثنية. وقد أسلم أهلها المعروفون بالسوننكي وانتشروا في المناطق المجاورة يزاولون التجارة، وإليهم يعود الفضل في نشر الإسلام في مناطق كثيرة من السودان الغربي.
ومع
أن السيادة المرابطية على إقليم غانة كانت قصيرة الأمد - لانشغال المرابطين بشؤون المغرب والأندلس - إلا أن الإشارات في المصادر العربية تدل على قيام علاقات مستمرة بين المرابطين في المغرب وبعض حكام السودان إن الوحدة التي أقامها المرابطون في المغرب الإسلامي - من الأندلس إلى بلاد السودان - تتبين من اكتشاف عدد من شواهد قبور إسلامية يرجع تاريخها إلى العقد الأول من القرن الثاني عشر (1100) - (1110 م)، ويُرجح أن تكون قد نُحتت ونُقشت كتاباتها في الأندلس، ثم نُقلت عَبْرَ الصحراء لتُقام على أضرحة ملكين وملكة في مدينة كوكو/ جاو (Gao) كانوا قد اعتنقوا الإسلام حديثاً. عُثر على شواهد القبور هذه في Sane على مسافة عشرة كيلومترات شمالي كوكو. ونُقشت على هذه الشواهد الرخامية كتابة بحروف كوفية بارزة، وهي من عمل نحات أندلسي اسمه يعيش. تدل النقوش على أن الحكام كانوا مسلمين، وعلى صلة بالأندلس المرابطية (3).
،
ومما يُذكر أن الرحالة ابن فاطمة الذي نقل عنه ابن سعيد وابن خلدون والقلقشندي كثيراً من أخبار السودان وما وراءه من الأقاليم هو من أبناء السودان الغربي (السنغال أو غانة)، وقد عاش في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي. وذكر ابن سعيد أن ابن فاطمة دار حول القارة الأفريقية
91
ص
(1970
(1) ابن سعيد، علي: كتاب الجغرافيا، بيروت
(2) البكري، ص.173
Cambridge History of Africa 1978، p.331. Trimingham، J.S. A History of Islam in West Africa، Oxford U.P. 1970، pp. 89 (3)
-90، n.1.
121
(3) ديفيس جان: «الفاطميون ضمن دراسات (ملتقى القاضي النعمان للدراسات الفاطمية)، تونس 1981، (4) البكري، ص 172.
ص 296.
ابن حزم الأندلسي، علي رسالةً) في جُمَل فتوح الإسلام ضمن رسائل ابن حزم الأندلسي)، تحقيق إحسان عباس،) الجزء الثاني، بيروت 1981، ص 133
120