أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٦٢

من الغرب إلى الشرق في حدود عام 1250.648. ولم تصلنا من كتابه الذي ألفه باللغة العربية سوى

(1)

النقول التي أوردها ابن سعيد وابن خلدون، وهي تدل على دقة اطلاعه بأحوال السودان الغربي.

الإسلام وأثره في مالي

نظراً لتحول أنظار المرابطين نحو الشمال ونتيجةً لما نَشِب من منازعات بين قبائل صنهاجة الصحراء ذاتها، عادت غانة إلى الظهور ثانية، ولكن على نطاقٍ أضيق رقعة وأقل ثراء من قبل، ولم تلبث أن تجزات، وآل تراثُ غانة القديمة آخر الأمر إلى زعيم إحدى قبائل ماندي، القاطنة في وادي النيجر الأعلى.

إن إمبراطورية مالي التي ازدهرت في القرنين السابع والثامن الهجريين/ الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين كانت نواتها الأولى قبائل ماندينكا (Mandinka) القاطنة في الرقعة الواقعة إلى الجنوب من غانة ما بين أعالي نهري النيجر والسنغال. كانت مالي معروفة في القرن الحادي عشر، ويسميها البكري مَلَلْ، ويحدثنا عن إسلام ملكها آنذاك فيقول: ومَلِكُهم يُعرف بالمُسلماني، وإنما سُمّي بذلك لأن بلاده أجدبت عاماً بعد عام، فاستسقوا بقرابينهم من البقر حتى كادوا يفنونها ولا يزدادون إلا قحطاً وشقاء، وكان عنده ضيفٌ من المسلمين يقرأ القرآن ويعلم السُّنَّة، فشكا إليه الملك ما دهمهم من ذلك، فقال له: أيها الملك لو آمنت بالله تعالى وأقررْتَ بوحدانيته، وبمحمد عليه الصلاة والسلام، وأقررت برسالته، واعتقدت شرائع الإسلام كلها لرجوتُ لك الفرج مما أنتَ فيه وحل بك … فلم يزل به حتى أسلم وأخلص نيّته، وأقرأه من كتاب الله ما تيسر عليه، وعلمه من الفرائض والسنن ما لا يسع جهله، ثم استأنى به إلى ليلة جمعة، فأمره فتطهر فيها طهراً سابعاً وألبسه المسلم ثوبَ قطن كان عنده، وبرزا إلى ربوة من الأرض. فقام المسلم يصلي والملك عن يمينه يأتم به، فصليا من الليل ما شاء الله، والمسلم يدعو والملك يُؤمن، فما انفجر الصباح إلا والله قد أعمهم بالسقي. فأمر الملك بكسر الدكاكير [الأصنام] وإخراج السحرة من بلاده، وصح إسلامه وإسلام عقبه وخاصته، وأهل مملكته مشركون. فوسموا ملوكهم مذ ذاك بالمسلماني) (2).

C

هي

يبدأ تاريخ مالي بالملك سَندياتا (حَكَم (1230 - (1255 م الذي اتخذ لنفسه عاصمةً جديدةً. نياني، وتلقب بمنسى أي سلطان وكانت الإمبراطورية الجديدة مترامية الأطراف: من العاصمة نياني على نهر النيجر الأعلى إلى المحيط غرباً، وكانت تمتد شرقاً بمحاذاة وادي النيجر إلى حدود الحَوْسا (Hausa). وكانت تضم مصادر الثروة المعدنية الرئيسية كمناجم الملح في تغازة، ومناجم النحاس في تكدا، ومناجم الذهب في الجنوب، كما اشتملت على المدن التجارية الهامة، وهي ولاية أيوالاتن) وجني وكوكو.

(1) مؤنس، حسين: تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس، مدريد 1967، ص 507.

يبدو أن سَندياتا كان وثنياً في بداية حكمه، ثم لم يلبث أن اعتنق الإسلام. وحتى نهاية الإمبراطورية في القرن الخامس عشر كان كلُّ سلاطين مالي من المسلمين، وأدى كثير منهم فريضةً الحج، مما زاد من هيبتهم لدى المسلمين من رعاياهم، وفي العالم الإسلامي. إن أشهر سلاطين مالي منسى موسى حكم 1321 - 1337 م) الذي اشتهر بالورع والتقوى، وفي - عهده شهدت مالي أوْجَ رخائها وازدهارها. أدى منسى موسى فريضة الحج إلى مكة المكرمة عام 1324/ 724 فعزز ذلك من مكانة الإسلام في مالي، وأشاع أخبار ثرائها بالذهب في أرجاء العالم الإسلامي، بل وفي أوروبا، واجتذب إلى بلاده الكثيرين من التجار والعلماء المسلمين الذين ساهموا في النهضة بالبلاد اقتصادياً وثقافياً. إن حج منسى موسى أصبح مَعْلَماً في تاريخ مالي والسودان الغربي، وورد ذكره في المصادر الإسلامية وغير الإسلامية. أصبحت مالي معروفة في أوروبا، وزادت تجارتها مع مصر. يقول فرناند بروديل عن شهرة منسى موسى بعد حَجّه إن ذهبَ السودان كان أكثر من أساس لرخاء شمال أفريقيا والأندلس … فهذا الذهب لعب دوره في تاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط كله، حيث بدأ تداول هذا الذهب من القرن الرابع عشر عقب الحج الشهير لملك مالي منسى موسى» (1). اصطحب منسى موسى عند عودته إلى بلاده من الحج عدداً من العلماء المسلمين، وابتاع. من الكتب الفقهية ليوفّر لبلاده الثقافة الإسلامية. وممَّن رافقه إلى بلاده من العرب أربعة من الشرفاء من الحجاز مع أسرهم، والشاعرُ والمهندس الغرناطي أبو إسحاق إبراهيم الساحلي. أبو إسحاق إبراهيم الساحلي

جملة

سلطان

أبو إسحاق إبراهيم الساحلي الغرناطي - المعروف ببلده بالطُوَيْجِن - أديب ومهندس معماري من غرناطة التقى في مكة المكرمة بسلطان مالي منسى موسى عند حجه الشهير سنة 724/ 1324، فدعاه السلطان لمرافقته إلى مملكته بالسودان الغربي، حيث طاب له المقام، فبقي في مالي نيفاً وعشرين عاماً إلى أن توفي في تنبكتو سنة 1346/ 747 وقد اشتهر الساحلي شاعراً وناثراً، ومهندساً معمارياً أدخل إلى مملكة مالي والسودان الغربي أساليب البناء الأندلسي - المغربي في تشييد الجوامع والقصور. ولعل الساحلي قام كذلك بدور مهم في تعزيز الصلات بين سلطان مالي وبين المغرب المريني أبي الحسن علي فتبودلت بينها السفارات والهدايا، كما أخذ طلبة العلم في مالي يفدون لتلقي العلم في مدارس فاس. عُرف عن سلطان مالي منسى موسى حرصه على بناء الجوامع فعند عودته من الحج عام 725/ 1325 أمر ببناء مسجد فخم في جاو كوكو (Gao) أشرف على بنائه أبو إسحاق الساحلي، وقد بناه من الطوب المحروق الذي لم يكن معروفاً قبل ذلك في السودان الغربي، وجعل صومعته هرمية

(1)

6

Braudel، F.، The Mediterranein and the Mediterranein Wolrd in the Age of Philip II، London 1972، Vol. I، p.467.

123

12201

178

(2) البكري، ص: