أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٦٣

الشكل. كما بنى الساحلي قاعة الاجتماعات بقصر منسى موسى من الحجر والجنس، وزخرفها بالخشب المطعم بالذهب. ويُشيدُ ابن خلدون ببراعة الساحلي في مجال المعمار وما استحدثه في مالي فيقول: «أراد سلطان مالي أن يتَّخذ بيتاً في قاعدة سلطانه [يني Jenne] مُحكم البناء، مُجلَّلاً، لغرابته بأرضهم، فأطرفه أبو إسحاق ببناء قبة مربعة الشكل، استفرغ فيها إجادته، وكان صناع اليدين، وأضفى عليه من الكلس، ووالى عليها بالأصباغ المشبعة، فجاءت من أتقن المباني، ووقعت من السلطان موقع الاستغراب لفقدان صنعة البناء بأرضهم))

،

وفي تنبكتو شيد الساحلي الجامع الكبير، كما بنى قصراً للسلطان ولما زار الحسن الوزان تنبكتو في أوائل القرن السادس عشر لاحظ أن بيوتها كانت أكواخاً مغطاة بالقش، إلا أن في وسط المدينة جامعاً فخماً جدرانه من الحجر والكلس، وفي المدينة كذلك قصر فخم، بناهما مهندس بارع من غرناطة (2). . وبفضل ما أشرف الساحلي على تشييده من جوامع وقصور في تنبكتو وجاو ويني، أخذ طراز المعمار الأندلسي - المغربي في الذيوع في كافة مدن السودان الغربي.

في المؤتمر الذي عُقد في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن عام 1975 حول الدراسات الخاصة بقبائل ماندنج (Manding) لفت أحد الباحثين في المؤتمر جون هنيك (J. Hunwick) الانتباه إلى زيارة قام بها أبو إسحاق الساحلي إلى المغرب أثناء إقامته في تنبكتو، واستقبله السلطان المريني أبو الحسن. وتساءل الباحث أليس من الممكن أن يكون الساحلي لعب دوراً في تعزيز العلاقات الدبلوماسية بين سلطاني المغرب ومالي؟

يقول ابن خلدون إنه كان بين هذا السلطان منسى موسى وبين ملك المغرب لعهده من بني مرين السلطان أبي الحسن مواصلة ومهاداة … واستجاد صاحب المغرب من متاع وطنه وتُحف ممالكه مما تحدث عنه الناس … وتوارثَ تلك الوصلة أعقابهما» (3)

،

كان الساحلي على صلة بالسلطان أبي الحسن حتى قبل مرافقته لمنسى موسى من الحجاز إلى مالي، وكان يتردد على المغرب من مالي للتجارة وفي إحدى زياراته للمغرب، أهدى السلطان أبا الحسن هدية تشتمل على طُرَفٍ فأثابه عليها مالاً خطيراً (4). ولما كان سلطان مالي قد عمل بعد حجه على تعزيز صلات بلاده السياسية والثقافية والتجارية بمصر وتونس فإن دَوْرَ أبي إسحاق الساحلي - بحكم حظوته لدى سلطان مالي وصلته الخاصة بسلطان المغرب ـ كان دون شك دَوْراً إيجابياً وفعالاً في تعزيز الصلات السياسية والثقافية وتوطيدها بين مالي والمغرب، في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي.

،

ما بعلاا ف حساب اما به علتو

(1) ابن خلدون، عبد الرحمن: كتاب العبر بيروت 1959، 416/ 6. (2) الوزان الحسن: وصف أفريقيا الجزء الثاني، الرباط 1982، ص 165 - 166. (3) ابن خلدون، 6 ص 416 - 417. (4) ابن الخطيب لسان الدين الإحاطة في أخبار غرناطة، القاهرة 1973، 1/ ص 329.

:

منذ عهد

علاقات مالي بمصر المملوكية ساهم الحج في تنمية العلاقات الثقافية بين مالي ومصر، وكان بعض كبار العلماء من تنبكتو في طريقهم إلى مكة المكرمة وعودتهم منها يقيمون فترةً في القاهرة حيث كانوا يدرسون على أبرز العلماء في الجامع الأزهر. واستقرَّ بعضُ الطلبة من بلاد التكرور (أي) (مالي) في القاهرة، ونالوا شهرة بحيث وردت أسماؤهم في كتب التاريخ والتراجم وكان للتكارير جالية كبيرة مقيمة في مصر الفاطميين. وعُرفت مُنية بولاق باسم بولاق التكرور نسبة إلى أحد صلحاء التكارير الشيخ يوسف بن عبد الله التكروري وكان معاصراً للخليفة العزيز ابن المعز الفاطمي (الربع الأخير من القرن العاشر الميلادي)، فلما توفي الشيخ بني له العزيز قبة ومسجداً عُرف باسم جامع التكروري. وبعد وفاة الشيخ التكروري بمائتي سنة ظهر كُتيب للشريف محمد بن أسعد الجواني يعدد فيه مناقب الشيخ التكروري ولما تحوّل مجرى النيل إلى ناحية بولاق بعد سنة 790/ 1388، خشي الناس أن تغمر المياه الضريح والجامع، فحوّلا عن مجرى النيل

إن الطلبة التكارنة في القاهرة اندمجوا بالمجتمع المصري، ولم يعيشوا بمعزل عنه في حي خاص بهم. واكتسبوا أرزاقهم من الحِرَف التي زاولوها، ومن الحوانيت التي أنشأوها. فَصَبيحُ بنُ عبد الله التكروري أعتق نفسه بمبلغ 500 درهم اكتسبها من صنع الشواشي، وكان يُعرف بالكلوتاني، واشتهر بالاستقامة والورع وتوفي سنة 1330/ 731 (2).

وعُرف طالب آخرُ من بلاد التكرور في النصف الثاني من القرن الرابع عشر بالحراز، لممارسته إعداد الحُرز أو الحُجُب. وابنه المولود في القاهرة - المعز التكروري - عُرف بالكُتبي، وكانت له مكتبة لبيع الكتب في سوق الوراقين واشتهر بجودة الخط وإتقان إعداد الكتب وشاهد آخرُ على منجزات التكارير العلمية ما ورد في كتاب (نيل الابتهاج) في ترجمة عبد العزيز التكروري الذي رحل من تكرور إلى الشرق في أواسط المائة التاسعة (القرن السادس عشر): ويقال إنه عزى لأهل مصر جميع مسائل مختصر خليل لأصولها، إلا نحو ثلاثة (4). ومن التكارنة من التحق بالجيش المملوكي وترفَّى، مثلُ عنبر التكروري الذي أحرز رتبة مقدم

سنة 905/ 1499.

كانت مصر قد شهدت في العهدين المملوكي والعثماني تطوراً في نظام التعليم: فالكتاتيب كانت مدارس ابتدائية لتعليم اللغة العربية وحفظ القرآن والمدارس كانت المعاهد العليا، وأشهرها الجامع الأزهر. ويبدو أنه كان لهذا النظام أثره في قيام نظام شبيه في السودان الغربي والأوسط،

(1) المقريزي، أحمد: كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار القاهرة 1853، 2 ص 326. (2) ابن حجر العسقلاني أحمد الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، حيدرآباد 2 - 1976، 2 ص 362. (3) السخاوي، محمد: الضوء اللامع في أهل القرن التاسع القاهرة 3 ـ 1955، 7 / ص 2 ـ 3.

(2)

عديل

ست (0)

(0)

(4) أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج بتطريز الديباج منشورات كلية الدعوة الإسلامية بطرابلس، 1989، ترجمة 326، ص 275.

125

124