أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٦٤فجامع سنكوري في تنبكتو حاكى الجامع الأزهر (1) إذ كانت تُدرّس فيه مختلف العلوم الإسلامية كالتفسير والحديث والفقه والمنطق والنحو والبيان والكلام والتصوف، كما يُستدل من تراجم من تراجم علماء تنبكتو في نيل (الابتهاج لأحمد بابا التنبكتي و تاريخ (السودان) لعبد الرحمن السعدي.
وفي مجال التجارة، يبدو من كلام ابن بطوطة أن الثياب المصرية كان عليها إقبال كبير في مالي. فأهل تكدًا (مركز إنتاج النحاس) يسافرون كل عام إلى مصر ويجلبون ما فيها من حسان الثياب» (2)، وعن ولاتة (إيوالاتن) التي أقام ابن بطوطة فيها خمسين يوماً، يقول: «وثيابُ أهلها حسان مصرية» (3).
ومما زاد في أهمية العلاقات بين مصر والسودان نضوب مناجم الذهب في وادي العلاقي ببلاد النوبة، فحوّل المصريون أنظارهم إلى السودان الغربي موطن الذهب، ثم إن مصر المملوكية كانت المركز السياسي والثقافي في العالم الإسلامي فتحوّلت إليها أنظار السودانيين، كما أن انتشار الإسلام في السودان الغربي أدى إلى ازدياد عدد الحجيج عبر مصر
(4)
(5)
وازداد عدد المصريين الزائرين لمدن مالي والمقيمين فيها. يذكر ابن بطوطة أن للبيضان في مدينة مالي كبيرين هما محمد بن الفقيه الجزولي وشمس الدين ابن النقويش المصري). ولما اعتل ابن بطوطة، لجأ إلى بعض المصريين لمعالجته)
(6)
(7)
يتحدث ابن فضل الله العمري وابن بطوطة عن مملوك يقف خلف سلطان مالي وبيده جثر وهو شبه قبة من الحرير وعليه طائر من ذهب على قدر البازي»). فالمملوك المذكور كان يحمل مظلة شبيهة بمظلة السلطان المملوكي كما وصفها القلقشندي، ولعلها جُلبت من مصر.
،
Jacke
إن المستوى العالي للعلماء السودانيين تدل عليه حكاية أوردها عبد الرحمن السعدي على لسان الشيخ سيدي يحيى (المتوفى سنة 866 (1462) إذ قال السعدي: ورُوي أن طلبة سنكري إذا جاؤوه لأخذ العلم يقول: يا أهل، سنكري كفاكم سيدي عبد الرحمن التميمي، وهو جاء من أرض الحجاز صحبة السلطان موسى صاحب ملي حين رجع من الحج، فسكن تنبكت وأدركه حافلاً بالفقهاء السودانيين، ولما رأى أنهم فاقوا عليه في الفقه، رحل إلى فاس وتفقه هنالك، ثم رجع إليه فتوطن فيه. (4) لما زار الحسن الوزان مالي في مطلع القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي، لاحظ
(1)
Hiskett، on، The Development of Islam in West African، (Longman) 1984، p.16.
(2) ابن بطوطة، محمد: رحلة ابن بطوطة،
بيروت
1968، ص 678.
(3) نفسه،
ص
661
وبار
أن لهم مساجد كثيرةً وأئمةً وأساتذة يدرسون في المساجد … وهم أكثر تحضراً وذكاء واعتباراً من جميع السود، لأنهم كانوا من السابقين إلى اعتناق الإسلام (1)
ومما يُذكر أن التسمية ماندنج (Manding) تشمل اليوم عدداً من شعوب غرب أفريقيا تتكلم لهجات مشتقة من اللغة التي استعملت في كتابتها حروف عربية بشيء من التحوير. ويذكر القلقشندي أن كتابة أهل مالي بالخط العربي على طريقة المغاربة (2). وقد وصل كتاب من سلطان مالي إلى سلطان مصر وهو بالخط المغربي، في ورق عريض السطرُ إلى جانب السطر (3). ولباس أهل مالي عمائم تُحنَّك مثل العرب، وقماشهم بياض من قطن يُزرع عندهم ويُنسج، في نهاية الرفع واللطف، يُسمى الكميصا (4). ويركب أهلُ مالي الخيول بالسروج، وهم في غالب أحوالهم في الركوب كأنهم العرب (5). کال کا نام ابن بطوطة في مالي
لدينا مادة وفيرة عن مالي في منتصف القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي وعن سلطانها منسي سليمان شقيق منسى موسى فبالإضافة إلى ما ذكره العمري لدينا معلومات من شاهد عيان هو الرحالةُ المغربي ابن بطوطة الذي أمضى أكثر من تسعة شهور في زيارة مالي (753/ 2 - 1353). تدل رواية ابن بطوطة على أن الإسلام كان قد توطّد في مالي، ومع ذلك فإن السلطان كان يراعي العادات والتقاليد المحلية المنتشرة بين الوثنيين من رعاياه وقد أعجب ابن بطوطة باستتباب الأمن والعدالة في البلاد، كما أُعجب بتدين القوم وأدائهم الصلوات في أوقاتها، وحفظهم للقرآن
الكريم.
ابنة عم
من
أن ابن
ومما يدل على عدم وجود أي تمييز عنصري عند المسلمين، ما ذكره ابن بطوطة كبير جماعة البيضان (أي المغاربة في عاصمة مالي - محمد بن الفقيه الجزولي - كان متزوجاً من السلطان (6). ويلاحظ كذلك أن المساجد كانت حَرماً يلجأ إليها المستجيرون من بطش الحاكم. فابن بطوطة يذكر أن منسى سليمان غضب على زوجته الكبرى وابنة عمه قاسا، إذ اتهمها بتدبير مؤامرة ضده فخافت قاسا … واستجارتْ بدار الخطيب وعادتهم أن يستجيروا هنالك بالمسجد، وإن لم يتمكن فبدار «الخطيب» (7). وكان علماء المسلمين يبادرون إلى الإصلاح بين
165 164
(1) الوزان، 2/ ص (2) القلقشندي، أحمد: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء القاهرة (د. ت.)، 5 / ص 298. (3) العمري ابن فضل الله: قطعة مستخرجة من مسالك الأبصار) ضمن نصوص جمعها صلاح الدين المنجد في كتاب (مملكة مالي عند الجغرافيين المسلمين)، بيروت 1982، ص 65.
127
53 - 52
55
665
(4) نفسه، ص:
(5) نفسه، ص)
(6) ابن بطوطة،
(7) نفسه،
ص
ص
671
Hiskett، p. 15.
(0)
(s) Bo
664
ص
665
(4)
(5) ابن بطوطة،
(6) نفسه، ص
(7) نفسه، ص 667.
(8) السعدي، عبد الرحمن تاريخ السودان، باريس 1964، ص 51.
126