أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٦٥

المتنازعين

حقناً للدماء، فابن بطوطة يذكر أنه أثناء إقامته بتكدًا توجه القاضي والخطيب والمدرِّسُ والشيخ بها إلى أميرها للإصلاح بينه وبين أمير آخر (1).

ويوجز ابن بطوطة محاسن السودان فيقول: فمن أفعالهم الحسنة قلة الظلم … ومنها شمولُ الأمن في بلادهم … ومنها عدم تعرضهم لمال من يموت ببلادهم من البيضان، ولو كانت القناطير المقنطرة، إنما يتركونه بيد ثقة من البيضان حتى يأخذه مستحقه (2). ومنها مواظبتهم للصلوات والتزامهم لها في الجماعات، وضَرْبُهم أولادهم عليها. وإذا كان يوم الجمعة ولم يبكر الإنسان إلى المسجد، لم يجد أين يصلي لكثرة الزحام ومن عادتهم أن يبعث كلُّ إنسان غلامه بِسَجادة فيبسطها له بموضع يستحقه بها، حتى يذهب إلى المسجد … ومنها لباسُهم الثياب البيض الحسان يوم الجمعة، ولو لم يكن لأحدهم إلا قميص خَلِقٌ غَسَله ونظفه وشَهِدَ به يوم الجمعة. ومنها عنايتهم بحفظ القرآن العظيم، وهم يجعلون لأولادهم القيود إذا ظهر في حقهم التقصير في حفظه، فلا تُفك عنهم حتى يحفظوه» (3).

معلقاً يقول توماس هودجكين Hodgkin - من كبار المتخصصين في تاريخ السودان الغربي على أثر الإسلام في مالي في نهاية القرن الرابع عشر: إن المصادر الوثائقية الوفيرة نسبياً عن تاريخ مالي في القرن الرابع عشر تمكننا من الحُكم على مدى ما حققه الإسلام آنذاك في تحوير النظم والأعراف المحلية السائدة قبل وصول الإسلام كما هو الحال بالنسبة للمراسم في البلاط، وصيام شهر رمضان، والاحتفال بالعيدين واستخدام القضاة في المدن وتأسيس المدارس القرآنية، والاستعانة بالمتخصصين الأغراب (مع تنويع العلاقات الخارجية بحيث تشمل مصر والحجاز، فضلاً

عن المغرب) (4).

679

مطلع القر

12

(s)

را در ما (2)

551

(1) نفسه،

ص

(2) يذكر ابن بطوطة عند زيارته لمدن ساحل مُليبار بغرب الهند أن عادة أهل الهند كعادة السودان، لا يتعرضون لمال الميت، ولو ترك الآلاف، إنما يبقى ماله بيد كبير المسلمين حتى يأخذه مستحقه شرعاً» ـ رحلة ابن بطوطة، (3) ابن بطوطة، ص 6732.

ص

Hodgkin، Thomas، <«<Islam and National Movements in West Africa» in Journal of African History، Vol. II/2، 1962، pp. (4)

223 - 4.

تأثير اللغة العربية قبل المال والا

في بعض اللغات الأفريقية

د. محمد الفران

كلية الآداب المحمدية

ليس من قبيل المبالغة أو التزيد أن نعتبر الصلات الإنسانية بين سكان القارة الأفريقية قديمة قدم الإنسان الذي استوطن هذه القارة متنقلاً بين أرجائها ومذللاً صعابها ومقيماً لمسالكها وطرقها، ولعل ما يقال عن الصحراء باعتبارها كانت تشكل حاجزاً طبيعياً منع أفريقيا السوداء طوال فترات التاريخ، من أن تتلاقح وتتواصل مع الحضارات الأخريات لا يعدو أن يكون ادعاء وزعماً لا يقوم على أساس من حجة أو دليل. إن العلاقات والصلات بين شمال أفريقيا وجنوبها لم تعقها الحواجز الطبيعية يوماً من فلم يكن لقساوة الصحراء ولصعوبة الطريق وطول مسافتها أي تأثير على الصلات والوشائج الاجتماعية والإنسانية بين سكان شمال الصحراء وجنوبها وبين العرب على وجه العموم.

الأيام،

ولقد درج اللغويون الغربيون وتبعهم في ذلك عن حسن نية جل الباحثين، على اعتبار اللغات الأفريقية قد تأثرت باللغة العربية في بعدها الديني أكثر من تأثرها بالأبعاد الحضارية الأخرى

الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

والواقع أن هذا الطرح يستلزم منا الحذر والحيطة لأن هؤلاء اللغويين وهم ينحون هذا النحو، يسعون عن قصد وبخلفية مبيتة إلى اعتبار الحضارة العربية الإسلامية لم تستطع أن تلقي بظلالها الوارفة على القبائل الأفريقية بل ظلت منحصرة في الجانب التعبدي ليس إلا، وبهذا لن يجدوا حرجاً في اعتبار الحضارة الغربية هي التي استطاعت أن تنفذ إلى عمق أفريقيا، وتؤثر في شعوبها تأثيراً عم جميع مجالات الحياة وهيأ للأفارقة أسباب التقدم والاستقرار والوحدة. لذلك نجدهم لا يخفون غبطتهم ونشوتهم العميقة في خلاصاتهم النهائية بعدم تأثير اللغة العربية في اللغات الأفريقية، حيث يؤكدون على تقهقر لغة الضاد أمام اللغات الأوروبية في الأطلس اللغوي الأفريقي، بل يذهبون أبعد

129

128