أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٦٦من ذلك حين يصفقون لبعض التيارات الأفريقية المناهضة للغة العربية بدعوى قصور نسقها الصوتي حيناً وضعف نسقها الخطي حيناً آخر.
إن تأثر اللغات الأفريقية بالمعجم الديني الإسلامي حقيقةً لا مراء فيها. شرط أن يتم تناول ظاهرة التأثر هاته في بعدها العام وتقديم أجوبة كافية وشافية عن سبب غياب ومحدودية المعاجم الأخرى المرتبطة بباقي مناحي الحياة الدنيوية بكافة مستوياتها. إن الواقع التاريخي والواقع اللغوي يؤكدان أن انتشار الإسلام في أفريقيا واستقبال الأفارقة له عن طواعية وقبول، بعدما تعاملوا مع المسلمين وتعرفوا على أخلاقهم وطباعهم ولغتهم عن طريق المعاملات التجارية كل ذلك جعلهم يعانقون الحضارة الإسلامية بكافة أبعادها ومناحيها. ويمكن أن نتناول الواقع التاريخي لهذا التأثر والتأثير قبل الإسلام وبعده من خلال ما يلي. I - الواقع التاريخي
1 - قبل الإسلام:
لقد حاول بعض المؤرخين المحليين أن يرجعوا تأثر اللغات الأفريقية باللغة العربية إلى ما قبل الإسلام حيث أكدوا على أن هناك مجموعة من الأسر المعروفة في بلاد السودان ترجع بأصولها إلى أرومة عربية، حيث هاجرت من اليمن والعراق وأرض كنعان واستقرت في جنوب الصحراء. بل إننا نجد سكان بورنو يذهبون إلى كونهم ينحدرون من نسل سيف بن ذي يزن البطل العربي المشهور والذي هاجر من الجزيرة العربية إلى أرض Sima إحدى أعمال كانم وغير خاف أن أسرة السيفيين قد حكموا منطقة كانم وبورنو لمدة ألف عام على حد ما يستفاد من كتب بعض المؤرخين.
كما يؤكد المؤرخون كذلك أن الفلانتين ينحدرون من أصول عربية وأن أخلافهم قد استوطنوا حوض السنغال. ويقول الفلانيون: إن عقبة بن نافع الفهري قد تزوج منهم مما جعل تلك القبائل تدخل الإسلام في القرن الأول الهجري بحكم الصلة القديمة التي تربطهم بالعرب
(1)
كما يتضح لنا من خلال دراسات المتخصصين أن عرب عمان واليمن كان لهم اتصال وثيق ببلاد الزنج قبل الإسلام، حيث نزح منهم الكثير إلى هذه البلاد بغية التجارة ثم الاستيطان والاستقرار فيما بعد، حيث تزوجوا الزنجيات فترتب عن ذلك تمازج بين العنصرين، وتأثير كبير للغة العربية على لغة البانتو الأصلية لسكان السواحل الشرقية لأفريقيا. وقد دخل بفعل التاريخ منذ قرون سحيقة عدد كبير من المفردات في الكثير من اللغات الأفريقية حيث ترى مجموعة من اللغويين المتخصصين أن المنطقة الكائنة بين تشاد والنيل قد عرفت مجموعة من اللهجات العربية قبل الإسلام، وأنه في أثيوبيا
كانت اللغة الأمهرية وهي من الساميات لغة الارستقراطية كما أن أفريقيا عرفت بعض اللهجات العبرية التي كانت منتشرة بين يهود الفلاشا (1)
2 - بعد الإسلام:
مختلف
فلا يخفى أن اللغات الإسلامية من فارسية وتركية وأمازيغية وغيرها قد تأثرت جلها بالأسلوب العربي واقترضت عدداً كبيراً من المفردات العربية التي تتوزع بين حقول دلالية تهم مناحي الحياة ومطالبها في الحضارة العربية الإسلامية ونفس الشيء يصدق على اللغات الأفريقية انطلاقاً عَمَّا ما نتج من تجاوب تلقائي وعفوي بين الأفارقة وبين المسلمين في شؤون الحال والمآل. ويمكن أن نتحدث عن هذا التجاوب والتواصل بالنسبة للأفارقة من حيث الواقع التاريخي الذي له دور كبير في الواقع اللغوي لا محالة، وعة من المستويات التي تعكس الحضارة العربية الإسلامية في طابعها الشمولي دون الاعتماد فقط على الجانب الديني التعبدي كما يصر
البعض.
6
من
خلال مجموع
مسال
اللغة حالة
على
من حيث الجانب الاقتصادي فمن المعروف أن التجار العرب والأمازيغ المستعربين الذين كانوا يرتحلون إلى السودان الغربي من أجل التجارة، كانوا يجمعون بين الدور الاقتصادي القائم التجارة وإبرام الصفقات وبين الدعوة لبث العقيدة الإسلامية ونشرها وإذا كانت التجارة تستدعي إيجاد لغة للتخاطب والتبادل فلا بد أن يتم الاختيار بين اللغة العربية واللغة المحلية. ولقد كانت الأولى هي المؤهلة من حيث غناها ورقيها إلى الاضطلاع بهذا الدور ومن ثم أتيحت للألفاظ والتعابير التجارية العربية أن تتسرب إلى اللغات المحلية. ولقد كان أثر العربية في لغة الهاوسا مثلاً قوياً جداً لأنها كانت ولا تزال لغة التجارة في أسواق غرب أفريقيا بلا منازع، وبذلك يمكن اعتبار التجارة هي نقطة انطلاق تسرب وانتشار اللغة العربية داخل اللغات الأفريقية (2). وإن ازدهار التجارة أدى إلى
:
نشاط حركة الهجرة إلى جنوب أفريقيا وتطوع التجار للقيام بنشر الإسلام وتعليم أهل البلد (3). أما من الناحية الاجتماعية والسياسية فتؤكد لنا كتب التاريخ أن الممالك الأفريقية تأثرت بالنظم العربية الإسلامية في الإدارة وشؤون الحكم وبمظاهر الاحتفال من عقيقة وأعراس وخروج إلى الحج في مواكب حافلة، بل إن التأثر كان في اللباس أيضاً إذ يذكر لنا القلقشندي أنهم يرتدون عمائم بحنك مثل المغرب وملبسهم شبيه بلباس المغاربة جلباب ودراريع بلا تفريج، وهم في ركوبهم كأنهم العرب».
خيال
بل إننا نجد الفقيه محمد بن عبد الكريم المغيلي يرسل إلى سلطان كانو مجموعة من الرسائل
(2) أبو بكر بلاربي اللغة العربية في نيجيريا من العصور الوسطى إلى اليوم المجلة العربية للثقافة س 7 ع 2 1987.
(1)
Hombonger: Les langues Negro-Africaines et les peuples qui les parlent payot Paris p 12.
Chailley Marcel Histoire de l'Afrique occidentale P 34.
131
(3)
(1) انظر خبر السوق لمجهول، نشر مركز جهاد الليبيين لإثبات هذه المقولة «المحرر».
قوق رله تالا
130