أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٨٣

إن كل هذه العوامل وغيرها قد أدت إذن إلى قوة التواصل بين مناطق شمال الصحراء الكبرى وجنوبها في المجال الديني والهوية في منطقة شمال الروح حلول فعلى أثر انتشار الإسلام في الصحراء الكبرى ثم إلى منطقة الساحل ومشارف بلاد السودان، بدأت الثقافة الإسلامية التي لا تفارق مسيرة الإسلام تنتشر في هذه المناطق الراقية ومن أهم العوامل الأولى لانتشارها ما كان يقوم به عقبة بن نافع وموسى بن نصير من بعده وهو بعث العلماء والقراء إلى المناطق المفتوحة لتعليمهم القرآن الكريم وشرائع الإسلام؛ كما قام الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز بدور بارز في هذا الميدان.

ثم بعد ذلك توسع التواصل الثقافي والديني بين هذه المناطق في عهود الأغالبة والمرابطين والحفصيين والمرينيين وبني عبد الواد والسعديين وغيرها من الدول التي تعاقبت على الشمال

الأفريقي.

كما تكونت فى مناطق الصحراء وجنوبها مراكز عظيمة للثقافة الإسلامية مثل مراكز تنبكتو وجني وگوگو وتَكَدًا وأكدز وإنصَمنْ وكانو وكاتيسينا وشنقيط وأروان وأزواغ وصوكوتو وغيرها. وكانت هذه المراكز الثقافية في الصحراء وجنوبها على صلة وثيقة بالمراكز الثقافية في الشمال الأفريقي ومصر والحجاز.

هذا ويجب أن نلاحظ أنه في المجال الديني الثقافي فإن هناك ظاهرة تاريخية كبرى تدل على قوة الترابط بين الشمال الأفريقي والصحراء وجنوبها المباشر وغرب أفريقيا. وتتلخص هذه الظاهرة في التشابه الكامل بين التطبيق العملي للإسلام وثقافته في الشمال الأفريقي والصحراء وغرب أفريقيا وكل ذلك نظراً للعوامل العديدة التي ذكرناها.

ت ومن الأمثلة الملموسة على هذا التشابه القوي إن لم نقل التطابق ما يلي:

1

ساد في

،

هذه المناطق كلها مذهب أهل السنة في العقائد ومذهب مالك بن أنس في الفقه عالم الإسلامي. الإسلامي تبليغية اسعال ولا يمنع من صحة هذه الظاهرة الدينية الثقافية ظهور بعض الفرق الشيعية أو الخارجية في بعض المناطق من الشمال الأفريقي لأن ذلك كان محدوداً في الزمان أو المكان أو فيهما معاً. المنطقة فكر إسلامي واضح ومبسط، ولم تعرف في أغلب الأحيان ذلك الفكر الفلسفي الديني المعقد، والذي عرفته مناطق أخرى من العالم الإسلامي مثل بلاد العراق و فارس والشام والهند. …

2

ولا يتنافى ما قلناه مع ظهور بعض الأفكار الدينية الغريبة في المنطقة، مثل بدعة البوغواطية بالمغرب الأقصى، لأنها ليست فلسفة عميقة، وإنما هي بدعة ساذجة وواضحة البطلان.

3 - إن الكتب المستعملة لتدريس الطلبة في الشمال الأفريقي هي نفسها التي سادت بالصحراء

العربية

وغرب أفريقيا والساحل مثل مختصر الأخضري، ورسالة ابن أبي زيد القيرواني ومختصر خليل وموطأ الإمام مالك ومدونة الإمام سحنون عن ابن القاسم عن مالك في مجال الفقه، وكذلك العقيدة السنوسية المسماة أم البراهين ومنظومة المقري المسماة إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة في مجال العقائد إلى غير ذلك من المقررات في مختلف الفنون. 4 - من التقاليد العريقة في المنطقة تخصيص مكانة عالية جداً للفقهاء والقضاة بحيث أنهم يستشارون في تسيير أمور الدولة وكلمتهم مسموعة في هذا الميدان ومن أمثلة ذلك تلك المكانة عالم التي احتلها الإمام سحنون عندما كان قاضياً بالقيروان فكان يقيم الحدود ويطبق أحكام الشريعة على الأمراء وكبار رجالات الدولة. فيقا تا انسان تو به من كما أن من أمثلة ذلك ما نراه لدى المرابطين حيث إن المؤسس الحقيقي للدولة هو من الفقهاء وهو عبد الله بن ياسين وكان هو العقل المدبر لدولة المرابطين الذين اشتهروا بقوة كلمة ال الفقهاء في دولتهم، إذ كان يوسف بن تاشفين لا يفعل شيئاً إلا بمشاورتهم وقد لاحظ ذلك العلامة ابن خلدون فذكر في تاريخه أن رتبة القضاء في المغرب لا تشبه ما هو معروف في بلاد الشرق، لأنها تعطي في البلاد المغربية سلطات قوية لصاحبها تتجاوز مجرد الفصل في النوازل

المالح

والقضايا.

6

وقد عرفت الدول الإسلامية في الصحراء وغرب أفريقيا نفس الوضعية كما نراه عن رتبة الفقهاء ومكانتهم الرفيعة في سلطنة مالي وأمبراطورية سنغاي في عهد الحاج أسكيا محمد وخلفائه، وكذلك في سلطنات الطوارق وفي العصر الحديث في مملكة صوكوتو الإسلامية في شمال نيجيريا الحالية.

5 - لقد عرفت المنطقة التي تعني بحثنا قراءة القرآن برواية عثمان بن سعيد الملقب بالإمام وَرْش ومن مميزاتها الأساسية استعمال الإمالة.

6 - انتشر في هذه المناطق كلها نوع الخط العربي المغربي وإن كانت له بعض المميزات المحلية في كل منطقة.

واحدة.

ومن مميزات هذا الخط كتابة حرف الفاء بنقطة تحتية واحدة وكتابة حرف القاف بنقطة فوقية

،

أسماء

كما يمتاز بكتابة الكاف أو القاف المعقودة على صورة كاف توضع عليها من الفوق نقطتان أو 3 نقاط. وقد نص على ذلك ابن خلدون في بداية مقدمته. وكل ذلك على خلاف الكتابات الشرقية التي تكتب الكاف المعقودة على صورة غين أو قاف أو جيم مما كان سبباً في تحريف عدد كبير من أعلام الأشخاص أو الأماكن وغيرها والتي وردت في كتب المؤرخين. إن هذا التواصل الديني الثقافي قد استمر قوياً ومطرداً عبر قنواته المختلفة إلى أن أضعفته في هذه المنطقة الإسلامية ولكنه مع ذلك بقي متواصلاً تشهد به الروايات الشفوية

الانحطاط

عصور

165

164