أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٨٤والمصادر المكتوبة لهذه المناطق، ولم يقض عليه إلا الاحتلال الأوروبي لهذه المناطق في القرنين التاسع عشر والعشرين.
ولها
وكما قلنا سابقاً، فإنه ليس من هدفنا الحديث عن مختلف أحداثه التفصيلية، وإنما يهمنا أكثر الحديث عن مظاهره الواقعية العملية الملموسة حتى اليوم والتي أحصينا جزءاً منها وتركنا غيرها للاختصار المقال
أما
مجال التواصل والعلاقات التجارية بين مختلف أقطار المنطقة المعنية، فإن المصادر في التربية القديمة قد أفاضت في الحديث عن المبادلات التجارية البالغة الأهمية بين الشمال الأفريقي ومصر من جهة والمناطق الأفريقية المحيطة بجنوب الصحراء الكبرى والتي كانوا ولون يسمونها بلاد السودان من جهة أخرى وكانت تصدر إلى الشمال عدة منتجات من أهمها الذهب الذي اشتهرت بتوفره فيها؛ كما أنها تستورد من الشمال كثيراً من المواد مثل ساعة المنسوجات والمواد المصنوعة والكتب. كما أن منطقة الصحراء كانت تصدر إلى بلاد السودان عت معدن الملح.
أما منطقة الساحل الرعوية فكانت تصدر إلى الشمال والجنوب مختلف أنواع المواشي والجلود والجبن واللحوم المجففة التي اشتهرت بها تلك المنطقة منذ القديم وحتى اليوم. والذي يهمنا أن نذكره أن هذا التيار التجاري تواصل منذ العصور القديمة حتى ضعف خلال فترة الاستعمار الأوروبي، ولكن الحدود والسدود التي وضعها لم تستطع أن تقضي عليه تماماً وهو اليوم بصدد العودة إلى نشاطه شيئاً فشيئاً.
ولا شك أن كل الباحثين المتخصصين يعرفون الكثير والكثير عن الطرق الشهيرة والعابرة للصحراء الكبرى، والتي تصل ما بين شمال القارة وجنوبها في مناطق أفريقيا الغربية وجزء من أفريقيا الوسطى، وقد تحدث عنها جميع المؤرخين القدامى والمحدثين الذين اهتموا بالمنطقة فلا داعي إلى تفصيل الحديث عنها.
توجد
وإنما الذي يجب أن نشير إليه إشارة عابرة طبقاً للمنهج العملي الذي اخترناه هو أن نُذكر بأنه مدن الساحل ومنطقة غرب أفريقيا وشمال تشاد مئات من العائلات الكبيرة المعروفة بجميع والتي أصلها من ليبيا أو تونس أو الجزائر أو المغرب الأقصى؛ وهي منحدرة من تلك الشخصيات التجارية التي كانت تقوم بمهمة المبادلات الاقتصادية بين الشمال والجنوب؛ وتحتفظ تلك العائلات حتى اليوم بذكريات أصولها الشمالية القديمة رغم أنها اندمجت اندماجاً كلياً في وسطها الحالي. وبنفس الطريقة توجد بالشمال الأفريقي عديد من العائلات التي تنحدر أصولها القديمة من مناطق جنوب الصحراء، وما زالت هي أيضاً تحتفظ بذكريات أصولها القديمة. وقد شاهدنا أمثلة لذلك في مدن ليبيا وتونس والجزائر.
16
ج - إن مختلف تلك الروابط القوية القديمة والجوار بين هذه المناطق قد تولد عنها امتزاج بشري
د
-
حقيقي بين سكان هذه المناطق المتجاورة بحيث تكونت عناصر بشرية هي خلاصة الاندماج
بين مختلف عناصر السكان. كما كانت هناك ظاهرة هجرة القبائل من منطقة إلى أخرى، ومن الأمثلة على ذلك هجرة القبائل العربية التي دخلت إلى الشمال الأفريقي في أوائل المائة الخامسة للهجرة وهي قبائل بني هلال والمعقل وبني سليم، وغيرها وقد هاجر كثير من هذه القبائل إلى مناطق شمال التشاد والنيجر ومالي وموريتانيا.
إن التواصل الحضاري القديم بين مناطق الشمال الأفريقي وبلاد السودان قد امتد أيضاً إلى مجال العلاقات السياسية والدبلوماسية عبر القرون وخاصة في عهود الممالك الإسلامية الكبرى بجنوب الصحراء.
6
الشمال
والشواهد على ذلك كثيرة ولا داعي إلى التبسط فيها، وإنما نشير إشارة عابرة إلى بعض الأمثلة، مثل العلاقات التي أسسها المرابطون بين مناطق الساحل والصحراء الكبرى والشمال الإفريقي بل ومع الأندلس. وكذلك علاقات مملكة مالي بالمغرب الأقصى ومصر، وخاصة في عهد السلطان منسى موسى؛ وكذلك علاقات مملكة السنغاي وخاصة في عهد أمير المؤمنين الحاج أسكيا محمد توري بالشمال الأفريقي ومصر وعلاقات سلاطين ممالك الكانم وبرنو مع مصر وليبيا ومع تونس في عهد الدولة الحفصية وعلاقات سلاطين أگدر مع ليبيا والجزائر ومصر. وهناك علاقات أخرى لا تقل عن هذه أهمية وإن كانت في معظمها لم تحظ بالتسجيل في التاريخ المكتوب، وإنما احتفظت بها ذاكرة الشعوب في رواياتها التاريخية الشفوية، ونعني بها تلك العلاقات السياسية والثقافية العميقة التي احتفظت بها قبائل الصحراء الكبرى والساحل مع الأفريقي عبر التاريخ الإسلامي بل وقبل الإسلام بينا بالبث ال كيد انا 122 مايسمالية وإن الروايات الشفوية والشعر الشعبي لهذه القبائل يزخر بمعلومات ثمينة عن هذه العلاقات. ولكنها ثروة تاريخية مهددة بموت حملتها وهنا نُذكر بتلك الكلمة الشهيرة للمفكر المسلم المالي المرحوم «هَمْبَتي بَل»: «إذا مات أحد الشيوخ في أفريقيا فإن ذلك يعني احتراق مكتبة كاملة»!!! وفي ختام هذا المبحث الثاني نلخص فنقول: إن هذه العلاقات التي شملت كل ميادين الحياة قد استمرت طوال القرون القديمة قبل الإسلام، ولكنها تقوت وتنوعت خاصة بفضل ظهور الإسلام وذلك عبر الطرق الشهيرة العابرة للصحراء الكبرى والتي كانت تصل مدن القاهرة والاسكندرية وسرت ومصراته وطرابلس وجبال نفوسة وغدامس وغات وصفاقس وقابس وتوزر وتونس وبجاية وتاهرت وتلمسان ووركلة وفاس والرباط ومراكش وسجلماسة وتنجيلالت في الشمال الأفريقي بمدن نياني وإيوالاتن وتمبكتو و گوگو وجني وتكدا وأكدز وإنصمن وآصودي وكاتسينا وكانو ومدن بلاد الكانج وشمال التشاد وبل وغرب السودان في الصحراء الكبرى والساحل وغرب أفريقيا ووسطها. ولما جاء الاستعمار الفرنسي والإيطالي والأسباني في القرنين التاسع عشر والعشرين عمل على
طمس هذه العلاقات ووضع الحدود السياسية الفاصلة بين هذه المناطق، وغرسوا في أذهان الأجيال الصاعدة أن هذه المناطق لم تكن بينها علاقات أخوية قديمة وحتى الإسلام في هذه المناطق صَوَّرُوه
167
166