أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٨٥على أنه ليس واحداً، وإنما هناك إسلام أبيض وإسلام أسود. وعن هذه المرحلة الاستعمارية سنتحدث بإيجاز في المبحث التالي: المبحث التالي: هية
المبحث الثالث: التواصل الحضاري بين المناطق الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى وشمالها خلال فترة الاستعمار الأوروبي
لقد اهتم الاستعمار الغربي منذ القديم بغزو المناطق التي تهم بحثنا وإن الحملات العسكرية
كانوا
للأسبان والفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين على الشمال الأفريقي بعد سقوط الأندلس معروفة لا داعي إلى ذكرها. وفي العصر الحديث، فإن من أول المناطق التي تمكن الأوروبيون من احتلالها بلاد السنغال والجزائر وتونس. نگا ولمال
كما أن المستكشفين الأوروبيين انتشروا في المنطقة، وخاصة في القرن التاسع عشر العليا وبالنسبة لمن توغلوا منهم في الصحراء الكبرى ومنطقة الساحل وغرب أفريقيا فنذكر بالخصوص المستكشف الفرنسي رني كايي الذي كان أول أوروبي زار تمبكتو في العصور الحديثة، وكان ذلك في بدايات القرن التاسع عشر؛ كما نذكر الرحالة الفرنسي دو فيربي الذي انطلق من الجزائر في منتصف القرن التاسع عشر وزار مدن جانت وغات وكتب عن الطوارق كتابه طوارق الشمال». كما نذكر الرحالة الألماني الشهير هنري يارث والذي كان في خدمة انجلترا، فزار طرابلس وسافر منها عبر الصحراء الكبرى فزار مدينة «أكَدَزْ» شمال النيجر، كما زار بعض المدن الكبيرة في شمال نيجيريا الحالية؛ ثم زار شمال مالي الحالية أي مناطق گوگو و تمبكتو.
وقد سجل بارث في هذه الرحلة معلومات عن الصحراء وغرب أفريقيا وهي حتى اليوم مثل في الدقة العلمية والصحة في أغلبها. هذا وخلال الربع الأول من القرن العشرين كان الاستعمار الفرنسي والإنجليزي والإيطالي والإسباني قد استولى على مجموع المناطق التي تعني بحثنا.
وقد اشتدت مقاومة السكان للاستعمار في فتراته الأولى، ثم في كثير من المناطق تمت معاهدات بينه وبين السكان الذين اضطروا إلى الاعتراف بالسيطرة الاستعمارية بشرط احترام دينهم وتقاليدهم.
وبعد سنوات من هذه المعاهدات الأولية بدأت الثورات الكبرى ضد هذا الاستعمار في مناطق كثيرة من غرب أفريقيا والساحل والصحراء في السنغال والصحراء الغربية وفي المناطق التي تكون حالياً جمهوريات بوركينافاسو ومالي والنيجر، وكذلك في ليبيا.
وقد كان لكثير من هذه الحركات الجهادية علاقات فيما بينها. لا
القيم وكان من أهداف الاستعمار الكبرى إنهاء العلاقات القديمة بين هذه المناطق ووضع الحدود فيما بينها، وخلق العداوة بين شعوبها والقبان به
ولكن الواقع القديم المنبثق خاصة من روح الإسلام والجهاد ومقاومة استيلاء غير المسلمين على دار الإسلام هذا الواقع قلنا قد جمع بين هذه المناطق رغم جهود الأوروبيين في قطع
الصلات التاريخية.
هذه
وبعد نهاية حركات المقاومة المسلحة في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، بدأت المنطقة التي تعني عرضنا تعيش فترة حالكة من تاريخها بحيث تم القضاء على معظم مظاهر العلاقات التاريخية بينها، وتم إحكام الحدود بين الشمال الأفريقي وبين جنوب الصحراء الكبرى؛ كما تم وضع حدود مشددة وعازلة بين المستعمرات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والأسبانية.
ولقد استغلت قوى الغزو الثقافي الفكري الأوروبي هذه الفترة الحالكة لمحاولة إثبات أنه ليس هناك علاقة إيجابية بين ما يسمونه أفريقيا البيضاء وما يسمونه أفريقيا السوداء، ولا بين الإسلام الأبيض والإسلام الأسود؛ وأنه على سكان أفريقيا جنوب الصحراء أن يحذروا كل الحذر من العرب الذين
أتوا لغزو بلادهم للاستيلاء عليها ولفرض دينهم ولغتهم عليهم … وغير ذلك من الترهات. وما زلنا نذكر أن الفرنسيين مثلاً كانوا يحرمون على سكان الصحراء وجنوبها أية علاقة أو أي سفر إلى بلدان الشمال الأفريقي أو الشرق العربي. وقد كان من الاجراءات المطبقة في النيجر في بداية الخمسينات تحريم قراءة الجرائد العربية. ومن وجدت معه جريدة الأهرام يسجن لمدة ستة
أشهر.
وقد قويت هذه الاجراءات خاصة مع اندلاع الثورة في الجزائر ومع ظهور نظام المرحوم جمال عبد الناصر. والله إن هذه الترهات التي ينشرها الاستعمار في مدارسه والتبشير النصراني في نشاطاته قد دخلت في أذهان الكثيرين من أفراد القلة التي تثقفت بالثقافة الغربية، فكانوا يؤمنون بخرافة تأصل العداوة بين سكان جنوب الصحراء وشمالها، ولكن الجماهير الشعبية كانت ترفض هذا الاتجاه رفضاً قاطعاً. الأول ويجب الاعتراف بأن المقاومة الفعّالة الصامتة لهذا العدوان الثقافي الحضاري كانت تكمن في الروح الإسلامية وعنصر الثقافة العربية الإسلامية التي تربط بقوة لا تغلب بين شعوب المنطقة، تلك الشعلة التي لم يستطع الاستعمار أن يطفئها رغم وسائله السياسية والمادية والثقافية والتبشيرية، وخاصة إذا قدرنا ذلك بضعف المسلمين الفكري والثقافي والمادي، وإنما كانت القوة الذاتية للإسلام وثقافته هي التي تقاوم بدرجة عجيبة جهود الاستعمار والتبشير القويين المنتصرين!!!
إن هذه الروح الإسلامية العميقة هي التي جعلت شعوب جنوب الصحراء الكبرى والساحل وغرب أفريقيا ووسطها يتضامنون ويتفاعلون مع الأحداث التي تجري في شمال القارة، مثل تضامنهم
169
168