أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٨٩

ويعطي هذا الفيض النسبي من المعلومات الناظر فيها انطباعاً بأن الصحراء لم تكن حائلاً ولا حاجزاً بين ساحليها، فقد توحدت المنطقة حضارياً، فكانت حركة السكان مستمرة، فتمازجت عناصرها، وتلاقحت لغوياً وفكرياً واجتماعياً، وتأثرت دينياً وتشابكت مصالحها اقتصادياً. فأفرز كل هذا تيارات وظواهر إيجابية وأخرى سلبية إلا أن أغلب الدراسات الحديثة عمقت الأخيرة ورسختها و همشت الأولى وأقصتها (1).

ورسمت تلك الدراسات صورتين مختلفتين لمنطقتين متمايزتين إحداهما شمال الصحراء عربية إسلامية، والثانية جنوب الصحراء أفريقية ذات ديانات تقليدية والعلاقة بينهما علاقات عداء وتخاصم لا علاقات تعاون وتناغم والمنطقة الأولى مستعلية على الثانية، مخضعة لها سياسياً غلبة بالفتح والهجرات الجماعية وصابغة لها دينياً قهراً بفرض الإسلام فتحاً أو بالسلطة الغالبة ومستنزفة لها اقتصادياً بتجارة عبر الصحراء ومستذلة لها اجتماعياً بالرق وتجارته.

لقد حاولت في دراسات سابقة (2) استجلاء الأسباب الداعية لبروز هذه الصور والدوافع الباعثة عليها ـ عن وعي أو غير وعي - فوضح أنها ترجع في حالة المجتمعات الأفريقية بصفة خاصة، إلى معلومات المصادر المتاحة والتصورات والمفاهيم المستعملة والمناهج المستخدمة في تلك الدراسات

الحديثة.

إن المصادر الإسلامية «الخارجية تعطي معلومات قليلة ومتناثرة مكانياً ومتباعدة زمانياً، ويصعب تحديد زمانها وأعيان رواتها في كثير من الأحيان فتزداد المسألة تعقيداً. ولا تسلم المصادر المحلية، عندما تتعاطى مع الزمن، البعيد، مما يثيره استخدام الروايات الشفوية من قضايا، ذلك لأن تلك المصادر صنفت في أو بعد القرن السادس عشر الميلادي.

لقد ألجأت قلة المعلومات الدارسين المحدثين للاستعانة بفروع معرفية أخرى لسد الثغرات المعلوماتية أو تفسير الظاهرة التاريخية وكان التوكؤ على مناهج الأنثروبولوجيا الثقافية ومفاهيمها عظيماً مما ساهم في عملية التشويه مساهمة كبيرة، بإسقاط الحاضر على الماضي، واستخدام مفاهيم أهداف الاستعمار والتبشير وقتئذ. فركزوا في أفريقيا على مفهومي التلاؤم (Adaptability) والمرونة (Flexibility) خصوصيتين للمجتمعات الإسلامية داخلياً وظاهرة القوة القاهرة والعنف الظاهر في العلاقة مع الآخر الخارجي، مع تطبيق مفهوم المجتمعات المتجزئة Segmentary) (Societies للتأكيد على أن الإسلام عندما ينتشر إنما هو دين الطبقات المتميزة والسلطة السياسية

تخدم

هذه

(1) في دراسة سابقة أشرت إلى أن هناك دراسات حاولت أن تصور وحدة المنطقة الأفريقية شمال الصحراء وجنوبها، ومن أنتا ديوب (انظر عز الدين عمر موسى الإسلام وأفريقيا) في كتاب العرب وأفريقيا نشره منتدى الفكر العربي جهود (عمان) ومركز دراسات الوحدة العربية (بيروت) بيروت 1983 م، ص 71 - 73.

(2) انظر مثلاً الإسلام وأفريقيا المصدر السابق، خاصة ص 74 - 77، وانظر بصورة أخص المقالة عن طبيعة الأسلمة والإصلاح الإسلامي في بلاد السودان إلى حركة الجهاد السوكوتي:

I.U.A. Musa; «On the Nature of Islamization and Islamic Reform in Bilad as-Sudan up to Sokoto Jihad»، Dirasat، Amman، the Jordan، 1979، V.VI، No.1، esp. PP. 9 - 12.

الغالبة. وتأسيساً على هذه المفاهيم ميزوا بين نوعين من الإسلام في مناطق أفريقيا: الأول هادئ وادع مسالم (Quitist islam) متقبل ومتمثل للديانة التقليدية للمجتمع المنتشر فيه وعاداته وتقاليده. والثاني محارب مقاتل (Militant Islam) مَفروض على المجتمعات غير الإسلامية جهاداً بالسيف. ويضرب مثلاً على هذا النوع بحركة المرابطين وحلفائهم التكرور في القرن الحادي عشر الميلادي

وحركات الجهاد في القرن التاسع عشر الميلادي. وتسيّد النوع الأول المسالم بين الفترتين. نعم لا يُذكر المرابطون في تاريخ الغرب الإسلامي إلا ويذكر دورهم الجهادي في «الدفاع» عن دار الإسلام في الأندلس، ودورهم الجهادي الهجومي» في نشر الإسلام وتوسيع رقعة داره في البلاد السودانية». ولئن توفرت مصادر متعددة ومعلومات متنوعة عن دورهم الأندلسي، فأصبح ذلك الدور حقيقة ماثلة فإن المصادر عن دورهم السوداني قليلة نادرة، والمعلومات شحيحة متباعدة متناثرة. .. فأسهم ذلك، ولأهداف متباينة، في تضخيم الدور القتالي الفارض للإسلام بالقوة

(

على مجتمع أفريقي، فغدا الدور المرابطي هذا يُصوّر عند الدارسين رمز استعلاء وعنوان عداء. وهنا تثور عدة أسئلة … هل انتشر الإسلام في غرب أفريقية نتيجة لحركة المرابطين أم أنه سابق لها، وإن كان سابقاً لها فمن هم أولئك الذين نشروه وكيف انتشر؟ وهل أسقط المرابطون دولة غانة، وإن لم يفعلوا فكيف سقطت تلك الدولة، وما دلالات ذلك في ظاهرة انتشار الإسلام وحركة الأسلمة في المنطقة؟ وإذا لم يكن للمرابطين دور في ظاهرتي انتشار الإسلام وسقوط دولة غانة كالذي ينسب لهم، فما دورهم في حركة الإسلام في غرب أفريقيا، وكيف يسعف استجلاء هذا الدور في إعادة النظرة إلى العلاقات بين جانبي الصحراء أيام المرابطين ووضعها في سياقها التاريخي في حركة الإسلام داخل أرض الخلافة وخارجها؟.

(2)

يقول ابن أبي زرع إن قبائل صنهاجة الصحراء تزيد عن السبعين وديارهم من نول إلى جنوب القيروان، وهي مسيرة سبعة أشهر طولاً وأربعة أشهر عرضاً بين بلاد البربر وبلاد السودان (1). ومن المعلوم أن قوام حركة المرابطين هم لمتونة ومسوفة وجدالة ولمطة وجزولة من تلك القبائل وتقطن الصحراء الغربية. ويبدو أن لمتونة كانت أكثرهم عدداً، وأوسعهم أرضاً، يقول عنها البكري أنهم ظواعن رحالة في الصحراء مراحلهم. .. مسيرة شهرين ما بين بلاد السودان وبلاد الإسلام وإلى الشرق من لمتونة تقع ديار مسوفة وإلى الغرب تقطن جدالة متصلة ديارهم بالبحر المحيط وممتدة جنوباً إلى نهر السنغال مصاقبة لديار التكرور، وتتصل شمالاً بديار لمطة وجزولة الذين يتصلون ببلاد السوس الأقصى (3). . . والحالة هذه فإن ديار قبائل المرابطين تربط بين أرض الخلافة و «بلاد السودان. . . فمتى أسلموا؟ وهل كان إسلامهم فمتى أسلموا؟ وهل كان إسلامهم دافعاً لهم لنشر الإسلام في البلاد السودانية المجاورة لهم؟.

120.

(1) يذكر ابن أبي زرع الأنيس المطرب بروض القرطاس، الرباط، دار المنضور، 1973، ص 0 (2) البكري، أبو عبيد المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب تحقيق دي سلان، الجزائر 1857 ص 164. (3) انظر المصدر نفسه، ص 157، 164، 172.

177

176