أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٩

ت نواع

العلاقات الثقافية بين الشعوب الأفريقية

وأثر الإسلام واللغة العربية في ترسيخها

راق

أ. عبد السلام أبو سعد

كلية الدعوة الإسلامية

يذهب بعض المستشرقين والمختصين في الشؤون الأفريقية الغربيين إلى القول بتقسيم أفريقيا إلى قسمين: أفريقيا البيضاء، ويقصدون بها سكان الشمال الأفريقي وأفريقيا السوداء، ويقصدون بها سكان جنوب الصحراء.

وهم إذا يقولون ذلك إنما يهدفون إلى ترسيخ التفرقة العنصرية بين سكان طرفي الصحراء، وذلك بالتأثير في عقولهم والإيحاء إليهم دائماً بأن كلا من القسمين: (شمال الصحراء وجنوبها) قد مر بمراحل من التطور والتغير الاجتماعي تختلف عن القسم الآخر، ويرتبون على هذا الاختلاف من التطور والتغير الاجتماعي عبر التاريخ اختلاف الثقافة بين القسمين، ولا يرون وجهاً للتوافق، ولا يوجد عندهم شيء مشترك بين الشعوب الأفريقية شمال الصحراء وجنوبها. القرى وعوامل

ولتحقيق هذا الهدف يعمد هؤلاء المستشرقون والمتأفرقون إلى تشويه الحقائق الظاهرة والقواعد الثابتة التي تؤكد التوافق الفكري والتكامل الثقافي عندما يتحدثون عن العلاقات بين الشمال والجنوب.

،

وقد صور هؤلاء العلماء الغربيون العلاقات بين سكان شمال أفريقيا وبين جيرانهم في الجنوب بأنها علاقة بين جنسين: (أرقى) قادم من الشمال ليفرض مؤسساته على جنس (أدنى) هم سكان الجنوب، أو بأنها علاقة بين غاز يفرض ثقافته على مجتمعات الزنوج بالقوة» (1) ويدعون أن الصحراء تمثل حاجزاً ضخماً وعائقاً طبيعياً يفصل بين شمال القارة وجنوبها وذلك قول غير مقبول، وعار عن

(1) انظر: د. أ. م. كاني: مظاهر الاتصالات الفكرية والثقافية بين سكان شمال أفريقيا ووسط السودان) مجلة البحوث التاريخية طرابلس ليبيا، السنة الثالثة العدد الأول (يناير (1981) ص 9، 10.

(1)

الصحة، بينت زيفه أبحاث تاريخية أصيلة، بل كان للصحراء عبر التاريخ دور كبير ومباشر في تنشيط التواصل بين الأقطار المتاخمة لها شمالاً وجنوباً. وكانت بمثابة القنطرة التي يتحرك عليها الطرفان للتبادل التجاري والتواصل الثقافي والاجتماعي وبسبب هذا التواصل عرفت القارة عدة طرق تخترق الصحراء، اشتهرت في التاريخ كانت تربط شمال القارة بجنوبها وشرقها بغربها، وكانت هذه الطرق تمثل القنوات التي يتدفق من خلالها التواصل الثقافي والاجتماعي بين الطرفين

،

(2)

إن العلاقات بين شعوب القارة قديمة قدم التاريخ وراسخة رسوخ الجبال .. فمنذ العهد الفينيقي عرفت القارة نوعاً من الاتصال عن طريق التجارة وطرق القوافل، فقد كان الفينيقيون يوجهون قوافلهم ومراكبهم صوب أفريقيا للاستكشاف وبناء علاقات تجارية وصلات اجتماعية. . وكانت لهم علاقات تجارية مع سكان ليبيا والأجزاء الجنوبية بالجزائر والمغرب، «وكان هؤلاء يعتبرون أنفسهم جيران الفينيقيين، وقد تولوا قيادة القوافل لحسابهم الخاص، وشقوا طريقهم عبر الصحراء، نحو شعوب السودان الغربي واشتهر الليبيون منذ ذلك التاريخ بالنشاط التجاري مع أجزاء القارة، وكانت لهم عدة طرق يسلكونها (3) وإذا كانت هذه العلاقات في الماضي تقوم على التجارة فقد صارت مع مرور الأيام تشمل جميع جوانب الحياة .. كما دفعت التطورات الاجتماعية والأحداث السياسية في الشمال الأفريقي، عبر التاريخ بعض الأهالي إلى اختراق الصحراء والاستيطان بين أهاليها والاندماج معهم، وكان ذلك في البداية عن طريق حركة القبائل من الرعاة الذين اعتادوا على الغزو والتنقل من مكان لآخر بحثاً عن الخصب، ثم ما لبثت أن تحولت إلى إقامة دائمة بعد الفتوحات الإسلامية، ومن ثم: اتسع نطاقها، وتنوع تأثيرها، واكتسبت الدوام والاستقرار» (4). وقد أثبتت الأبحاث أن هذه العلاقات كانت ثابتة ومتطورة عبر الأجيال، وأنه نتيجة لهذه العلاقات والامتزاج الاجتماعي عن طريق المصاهرة جرت دماء الشمال في الجنوب، والعكس كذلك، ونتج عن تلك التطورات أجيال من الصعب تصنيفها بأنها تنتمي إلى الشمال أو إلى الجنوب. بل إن هذا الامتزاج بين هذه المجموعات قد بلغ أحياناً حداً انتهت فيه بعض العناصر إلى الانصهار الكلي في بعضها بعضاً، كما هو الشأن في العنصر الصنهاجي الذي تنتمي إليه مجموعات كبيرة في أفريقيا السوداء الغربية (5). يقول بوقيل: إن دماء هؤلاء الذين قدموا من الصحراء ومن الأراضي الممتدة إلى شمالها ما

(1) د. إبراهيم حركات: دور الصحراء في التبادل والتسويق خلال العصر الوسيط) (م. س) ص: 27، 28. (2) باسيل ديفدسون: لمحات من تاريخ أفريقيا تر مركز البحوث والدراسات الأفريقية، سبها - ليبيا (د. ت) ص 30. وانظر: د. سلفاتور بونو (تجارة طرابلس عبر الصحراء)، مجلة البحوث التاريخية (م. س) ص 75. (3) مارسيل ديفدسون (م. س) ص 30. (4) عبد الرحمن زكي: الدول الإسلامية بأفريقيا الغربية (د. (ت) ص 20 وما بعدها. (5) د. إبراهيم حركات (م. ش) ص 27 وما بعدها.

17

16