أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٩١

الي ولا ريب أن هذه التجارة المتصلة قد حملت الإسلام معها إلى ديار صنهاجة في الصحراء الغربية، ولم يكن إسلام أهلها نتيجة فتوحات ولا حروب إنما بتأثير التجار الواردين إليهم مجتازين غير مقيمين في أغلب الأحوال … لهذا ظلت هناك جيوب وثنية مثل تلك القبائل السودانية التي قاتلها ابن تيفاوت اللمتوني متحالفاً مع بني وارث في منطقة بغارة قرب تاتكلاتين (1). . . والمثال

الآخر تجده مع أولئك البربر الوثنيين الذين حاربهم المرابطون في بداية انطلاقهم شمالا (2). ولكن الإسلام الذي عرفته قبائل المرابطين إسلام اسمي ولعل فيه أثراً خارجياً». ومن المؤكد فيه جهل بفروض الدين، وفيه عدم التزام بشعائره صلاة وصوماً وزكاة وفيه عدم تقيد بشرائعه في الأحوال الشخصية … وهذا كله واضح بين في وصف يحيى بن إبراهيم الجدالي، رئيس صنهاجة الصحراء دين قومه لأبي عمران الفاسي عندما لقيه في القيروان، فقال له: «ليس منهم من يقرأ القرآن، وهم مع ذلك محبون للخير، ويرغبون فيه، ويسارعون إليه لو وجدوا من يقرئهم القرآن، ويدرسهم العلم، ويفقههم في دينهم ويدعوهم إلى العمل بالكتاب (3). كما أن الجهل أو عدم التقيد بالشرع واضح في الممارسات التي وجدهم عبد الله بن ياسين، عليها مثل الزواج بأكثر من أربع

نساء (4)

،

من هذا يتضح أن صنهاجة الصحراء قبل المرابطين لم يكونوا في وضع يمكنهم من نشر دين يجهلونه … فهل كان في البلاد السودانية المصاقبة لهم إسلام منتشر وما عوامل انتشاره؟. إن المعلومات عن انتشار الإسلام" في البلاد السودانية نادرة وقليلة في القرون الثلاثة الأولى بعد إتمام فتح المغرب مع أن التجارة كانت مستمرة وغير يسيرة. فهناك إشارة إلى غانة أرض الذهب مع الفزاري في القرن الثامن … وتزيد المعلومات قليلاً عنها وعن كوكو في القرن التاسع مع كل من الخوارزمي واليعقوبي، ثم عنهما وعن الطرق الصحراوية المسلوكة مع كل من ابن الفقيه وابن حوقل في القرن العاشر.

ولكن من يُمن الطالع لدراسة انتشار الإسلام) في البلاد السودانية وتقييم دور المرابطين فيه أن يتوفر المرء على أول وأوسع مصدر من مصادر الجغرافية التاريخية الإسلامية الخارجية، ذلكم هو مصنف أبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري … وإذا ضاع أكثره فالموجود منه يغطي منطقة الصحراء الغربية وما يجاورها من البلاد السودانية التي هي موضوع هذه الدراسة … ثم إن أبا عبيد تحدر من أسرة أندلسية ذات أصالة ونباهة وشرف ورئاسة ولئن فقدت دورها السياسي فقد استمر ابنها أبو عبيد مشاركاً في فترة الاضطراب السياسي، فعمل وزيراً لصاحب المرية في سنة 1064 م،

(12

(1) البكري، ص 164، ابن أبي زرع ص 121 عند البكري قنقارة وليس بغارة، ولم يذكر دينهم … غير أن ابن أبي زرع يقول أنهم على اليهودية. (2) البيان المغرب، ج 4 ص 12 - 1 - 13 الحلل الموشية تونس، 1913، ص 10. فيه () (3) والعبارات ذاتها وردت في خطاب أبي عمران إلى واجاج بن زلو اللمطي (انظر ابن أبي زرع ص 122 - (123). (4) ابن أبي زرع، ص 124

،

(2)

ولما بسط المرابطون نفوذهم، على الأندلس استقر في قرطبة إلى أن توفي عام 1094 م. . . فهكذا شارك أو شهد أو عاصر أحداث المرابطين الكبرى التي تهم هذه الدراسة من ظهورهم في الصحراء إلى خروجهم إلى المغرب الأقصى ثم إلى دخولهم الأندلس. وعلاوة على هذا فقد تتلمذ على العذري (ت 1085 م) الجغرافي الأندلسي المشهور واستفاد من كتاب الجغرافية المفقود الذي صنفه محمد بن يوسف الوراق (ت 4 - 905 م). والحالة هذه فإن مصنف البكري يمثل ركناً رئيسياً في معرفة انتشار الإسلام في البلاد السودانية المصاقبة لديار المرابطين إلى سنة 1067/ 460، آخر تاريخ ذكره في متن كتابه (1). ويمكن الاطمئنان إلى معلومته عنهم لأنه لم يسع لتضخيم دورهم في البلاد السودانية» مع أنه أبرز جهودهم في الصحراء والمغرب، مع تقريظ ظاهر ومدح واضح والناظر في المعلومات التي يوردها البكري يستطيع أن يميز بين عدة أنماط أو أنساق في انتشار الإسلام في منطقة الدراسة: at : أولاً: مدن تجارية في أطراف الصحراء الغربية قريبة من الساحل». وأغلب سكانها من تجار الصحراء ودار الإسلام، لا سيما المغرب وأفريقية. . . وهنا تبرز أو دغست مركزاً تجارياً متفرداً. . . فهي مدينة كبيرة آهلة، وسكانها من عناصر شتى ومناطق مختلفة فهم من «أهل أفريقية وبرقجانة ونفوسة ولواتة وزناتة ونفزاوة وهم أكثرهم، وبها نبذ من سائر الأمصار» (3) … ويصفهم في موضع آخر بأنهم من زناتة والعرب (4). وسكانها مسلمون فيها جامع ومساجد كثيرة آهلة، في جميعها المعلمون للقرآن» (5). وتشاكلها تادمكة نسبياً (6) وولاتا بصورة كبيرة. ويقول لفتزيون عن ولاتا: إِنَّهَا حلت في القرن الثالث عشر المركز التجاري لمدينتي غانة وأودغست (7)، بينما يؤكد السعدي ازدهارها قبل ذلك التاريخ ويدعوها، بير وأنها بدأت تحل محل مدينة تمبكتو في أواخر القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي، ويقول عن تركيبة البلد السكانية وإليه يرد الرفاق من الآفاق، وسكن فيه الأخيار من العلماء والصالحين وذوي الأموال من كل قبيلة ومن كل بلاد من أهل مصر ووجل وفزان وغداس وتوات ودرعة وتقلالة وفاس وبيط إلى غير ذلك، ثم انتقل الجميع إلى تنبكت قليلاً قليلاً حتى استكملوا فيه وزيادة مع جميع قبائل الصنهاجة بأجناسها، فكانت عمارة

تنكبت خراب بير (8).

(1) البكري، ص 174.

(2) انظر مثلاً ص 164 وما بعدها.

(3) المصدر ذاته، ص 158. (4) المصدر ذاته، ص 168.

(5) المصدر ذاته، ص 181 - 182.

(6) المصدر ذاته.

يلة (2)

(8) السعدي، عبد الرحمن بن عبد الله، تاريخ السودان، باعتناء هو داس، باريز، 1964، ص 21.

(7)

ليا

ليله يتعين جمله

اير (1)

N.Levtzion، Ancient Ghana and Mali، New York، African Publishing Company، 1980.P.161.

181

180