أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٩٣

الحامية التي تجعل كل شيء إيجابي إنما هو مجلوب. ثالثاً: وضح أن الإسلام لم ينتشر أن الإسلام لم ينتشر أفقياً في طبقة واحدة وإنما جاء انتشاره شاملاً لكل شرائح المجتمع، وفي المدينة والبادية. . . ويدل هذا على بطلان ما ذهب إليه القائلون بمفهوم المجتمعات المتجزئة وانتشار الإسلام بين الطبقات المسيطرة، ويبقى ببقائها، ويغدو خليطاً من الإسلام والديانات

التقليدية بذهابها.

رابعاً: إن هذا الانتشار الواسع نسبياً، وتعدد مشاربه في البلاد السودانية مقارنة بما كان في صحراء المرابطين يدعو إلى التساؤل هل كانت المنطقة بحاجة لنشر الإسلام فيها خاصة وأن ظاهرة هذا الانتشار وفي الفترة ذاتها تمت في الوقت ذاته في مناطق بعيدة عن تأثيرات قبائل المرابطين، مثل كوكو (سنغي) وبلاد الهوسا وأرض الكانم (2)!! وإذا كانت هناك حاجة هل تلك الحاجة استوجبت أن يكون النشر للإسلام بالسيف كالذي ينسب للمرابطين وحلفائهم التكرور؟.

أحسب أن علاقات المرابطين بالبلاد) (السودانية خاصة غانة من أكثر موضوعات الحركة المرابطية تعقيداً، ذلك لأن الدوافع الاقتصادية والقبلية والدينية تتداخل وتتقاطع في منحنيات كثيرة، فتتصادم حيناً وتتلاقى أحياناً لأن العناصر المكونة لكل من الطرفين غير متجانسة، فهناك مساحات لقاءات واختلافات بين عناصر المرابطين الأساسية، لمتونة وجدالة، ومسوفة، وهذه وعناصر الفقهاء في المغرب الأقصى والقيروان … ومثل هذا تجده بين العناصر السودانية، لا سيما التكرور وغانة. . وعلاوة على هذا فإن أكثر الروايات جاءت عن مصادر متأخرة جداً فتنسب لمرحلة ما يكون من أحداث فترة أخرى أو أشخاص آخرين … أضف إلى هذا الاختلاف الشديد بشأن أسماء الأعلام والأماكن لا سيما مصطلح السودان الذي قد يعني الصحراء الغربية ذاتها أو ما هو وراءها. ويكفي هنا الإشارة إلى ما يذكره ابن أبي زرع عن يحيى بن عمر زعيم المرابطين في المرحلة الصحراوية الأولى فيصفه بأنه استولى على جميع بلاد الصحراء … وغزا بلاد السودان ففتح كثيراً وعن وفاته سنة 448/ 1056 يقول «توفي … في جهاد كان ببلاد السودان» (3) منها. فهو يميز بين الصحراء والسودان في العبارة الأولى، ولكنه ينسب إليه فتوحاً سودانية ليس عليها دليل. وفي العبارة الثانية يجعل السودان جزءاً من الصحراء إذ أن المصادر تكاد أن تجمع أن يحيى بن عمر قتل في صراعه مع جدالة في جبل لمتونة (4).

أما إذا نظر المرء في الروايات عن علاقة المرابطين بمملكة غانة يجد إجماعاً على خبر

(1) لنقد هذا الافتراض انظر:

(9)

J.Greenberg، <<The Nergo Kingdoms Of The Sudan»> Transactions of the New York Academy of Sciences، Ser. II، V.XI، No. 4(1949).

سيطرتهم على أودغست وطرد غانة منها في سنة 1055446، ولكن المصادر ذاتها تختلف اختلافاً عظيماً بشأن سقوط مملكة غانة نفسها. . . فهناك عدة مواقف وروايات:

يسمع

أولاً: لا يذكر البكري ولا الإدريسي شيئاً عن ذلك مطلقاً … وهذا أمر مستغرب في حالة البكري الذي يفترض فيه أن يكون معاصراً للحدث، وبين تاريخ الحدث المفترض ووفاة البكري ما يقارب العقدين من الزمن، فهل يعقل أن يُسقط المرابطون، غانة وهي ما هي وقتذاك، ولا البكري بذلك رغم أنه عاش في ظل دولتهم ومدح إنجازاتها الصحراوية والمغربية!!. ثانياً: يورد صاحب روض القرطاس روايتين متضاربتين عن رجوع أبي بكر بن عمر من المغرب إلى الصحراء، الأول سنة 1061/ 453 والثاني عام 1072/ 465 وأحداث البلاد السودانية في الروايتين تكاد أن تتطابق كما أنه لا يشير إلى سقوط مملكة غانة .... يقول عن الأولى أنه بلغه اختلال الصحراء، فسار إليها فهدأها وسكن أحوالها، وجمع جيوشاً كثيرة، وخرج إلى غزو بلاد السودان فجاهدهم حتى فتح من بلادهم مسيرة ثلاثة أشهر (1)

ويقول عن الثانية أنه بعد تنازله لابن عمه يوسف بن تاشفين انصرف إلى الصحراء، فأقام بها مدة يجاهد الكفرة من السودان إلى أن استشهد في بعض غزواته في … 480 [1087] بعد أن استقام له أمر بلاد الصحراء إلى جبل الذهب من بلاد السودان (2). وواضح أن الرواية الأولى إن هي إلا صدى لما ينسب إلى تين يروتان صاحب أودغست في القرن العاشر (3). أما الرواية الثانية ففيها مبالغة ظاهرة إذا ما فسر جبل الذهب بأنه مناطق الذهب ثالثاً: رواية ابن خلدون وهي شبيهة برواية ابن أبي زرع الثانية مع تحديد فيه شيء من الدقة، إذ يذكر ابن خلدون أنه لما فتحت غانة، دعي أهل السودان إلى الإسلام، فمنهم من أجاب ومنهم من دفع الجزية (4) … وغني عن القول أن هذه الرواية تجعل أهل السودان وقتئذ كفاراً قبل الحركة المرابطية وهو ما يتناقض مع ما توصلنا إليه في القسم الثالث من هذا البحث لأن الرواية لا تتحدث عن تجديد دين أناس مسلمين كما حدث في الصحراء وجنوب المغرب الأقصى. رابعاً: الرواية التي تحدد تاريخ سقوط غانة … وأقدم مصنف وردت فيه هو كتاب الجغرافية المنسوب للزهري (ت 556/ (1160)، ويذكر سنة 1076/ 469 تاريخاً لسقوطها (5). ويبدو أن صاحب الحلل الموشية يتابعه في ذلك ثم يضيف بأن جيشين مرابطيين توجها نحو

(2)

(1) ابن أبي زرع، ص 134 - 135. المصدر نفسه، ص 135 - 136 (3) انظر أعلاه، ص 6

adam

(0

(2) انظر 14 - 13. U.Musa، P. والمصادر المذكورة. (3) ابن أبي زرع، ص 127 - 128.

(4) انظر مثلاً البكري ص 168 الحلل الموشية، ص 11، ابن عذاري، ج 4 ص 14.

،

184

(4) ابن خلدون، تاريخ الدول الإسلامية، دي، سلان، باريز، 1847، ج 1، ص 236.

(5) أبو عبد الله محمد الزهري، كتاب الجغرافية، تحقيق محمد حاج صادق دمشق المعهد الفرنسي للدراسات العربية،

1958، الأقسام 336، 338.

185