أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي
الجزء ١ · صفحة ٩٤،
،
غانة بقيادة أبي بكر بن عمر وابنه يحيى وفتحا المدن واحدة تلو الأخرى، وفتح الابن العاصمة وأسلم أهلها (1).
وتواجه الدارس مشكلة أساسية في كتاب الجغرافية تتمثل في الأخطاء المطبعية والتصحيفية الكثيرة، مما يجعل الاعتماد عليه فيه مجازفة غير مأمونة. أما صاحب الحلل، فهو مثل ابن خلدون، جعل أهل غانة كفاراً ابتداءً. من كل هذا أنه يتضح
الاعتماد على أي من هذه الروايات لأن غانة ظلت قائمة ولها يصعب ذكر في كافة المصادر الإسلامية الخارجية لقرون بعد الحدث المفترض … كما أن الروايات الشفوية المدونة في القرن السابع عشر في تاريخي الفتاش للكعتي والسودان للسعدي تعطي أسباباً مختلفة تماماً عن اضمحلال غانة ثم سقوطها.
أما رواية الكعتي فملخصها أن مملكة مالي قامت بعد سقوط مملكة كَيَمَعَ (Kaya Magha) سلطان المغرب كله وكان سلطان ملّ من عبيده … وكيمع في لغة الوعكري (السننكي) ملك الذهب … وكانت عاصمته قنب (Cunbi). ثم حدث انقلاب في الأسرة الحاكمة فسلط الله أرذالهم على كبرائهم فاستأصلوهم، وملكها البيضان في القرن الأول الهجري إلى نهاية دولتهم
(2)
أما رواية السعدي فتقول: «أما ملى فأقليم كبير واسع جداً في المغرب الأقصى إلى جهة البحر المحيط، وقيع Kaya Magha هو الذي بدأ السلطنة في تلك الجهة ودار إمارته غانة، وهي مدينة عظيمة في أرض باغَنَ (Baghana) . . . قبل البعثة تملك [ها]. . . اثنان وعشرون ملكاً، وبعد البعثة اثنان وعشرون ملكاً. وهم بيضان في الأصل، وخدامهم عكريون Wa'kore) أي سننكيون فلما انقرضت دولتهم خلفها في السلطنة أهل ملى، وهم سودان في الأصل (3).
أما الرواية الشفوية المتداولة في الوقت الحاضر فلها عدة صور لأن السننكي بعد سقوط دولتهم تفرقوا في الأرض، فأصبحت أسطورة وَغَدُ (Wagadu) تروى بعدة طرق ولكن جوهرها واحد، وهو أن مملكة وَغَدُ (Wagadu) وعاصمتها كُمْبِ (Kumbi) وملكها مع (Magha) أو مَنْغَ (Manga) كانت تنعم بذهب كثير وفير بفضل حماية ثعبان كبير لها وهم له عابدون ويقدمون له قرباناً فتاة عذراء كل عام … ولكن في سنة قتل محب إحدى العذارى الثعبان فأصابتهم لعنته، وقذف بالذهب إلى بر (Bure) وأصاب البلاد تصحر فهجرها أهلها وتفرقوا (4).
(1) الحلل الموشية، ص 7.
،
(2) محمود،کعت تاريخ الفتاش باعتناء، هو داس باريز، 1913، ص 41 - 42. (3) السعدي، المصدر السابق، ص 9. (4) انظر عن الروايات المختلفة. هذه الأسطورة:
عن
(1) Is this the Mele Makat Gh.Monteil، «La Legende du Ougadou et L'origine des Soninke»، Melanges Ethnologiques، Me'm. de L'institut Francais
de L'afrique Noire، No.23، Dakar، 1953، PP.359 - 408.
نضب معين
السنغال
•
إذا كانت كل أسطورة تحمل جرثومة من الحقيقة فإن المقابلة بين أسطورة وَغَدُ وروايتي تاريخي الفتاش والسودان والمعلومات التاريخية في المصادر العربية توضح أن وَغَدُ (Wagadu) السننكية هي بَغَنَ (Baghana) المالنكية كما فيها تطابق بين كَلْبِ Kumbi) وغانة (Ghana) العاصمة. علاوة على أن الملك في الروايات الثلاثة ملك الذهب … وعلى هذا فإن أسباب يعني سقوط دولة غانة داخلية ذات جذور اقتصادية اجتماعية. . وحدث سقوطها في ضوء التاريخ، لقد بمبك (Bambuk) في الذهب في أعلى نهر في القرن الثالث عشر، فظهرت معادن جديدة في أعلى نهر النيجر في أرض مالي في منطقة بُر (Bure) علاوة على ما أصاب المنطقة من تصحر، فقامت الدولة الجديدة بعيداً عن مناطق الجفاف. وبهذا تلتقى الروايات الشفوية مكتوبة ومتداولة مع ما في المصادر الإسلامية عن استمرار دولة غانة إلى ظهور دولة مالي والحالة هذه فإن المرابطين لم ينحروها وإنما انقرضت. . . وعلى ضوء هذا فما هو دور المرابطين الإسلامي في البلاد السودانية؟. لا يمكن سبر غور موقف حركة المرابطين من غانة إلا بتحديد طبيعة الحركة والدوافع المحركة للأطراف المشتركة فيها أو الباعثة عليها، ذلك لأن الإطار الفكري كثيراً ما تلونه المصالح وتشكله ثم تُؤَوِّلُه وتتدثر بدثاره. . . بيد أن هذا لا يمنع أن تكون هناك نخبة متجردة ساعية لتحقيق المثل العليا وتتحرك وفقها. وإذا ما نظر المرء في حركة المرابطين من خلال هذا المنظور تيسر له تفكيك عناصرها، وتبينت له العلاقات الداخلية بينها، ومن ثم يفهم خط سير أحداثها في منظورها التاريخي. من الواضح أن هناك مدرسة تجديدية سنية انتظمت أفريقية والمغرب في القرن الحادي عشر، وهذا ما يفسر العلاقة الروحية بين أبي عمران الفاسي في القيروان ووجاج بن زلو اللمطي في نفيس بن ياسين الجزولي الذي انتدب لتجديد أمر الدين بين قبائل صنهاجة الصحراء، ومما يدل على متانة هذا الرباط أن المال الكثير الذي جمعه ابن ياسين مما استنه في المال المختلط بأخذ ثلثه (1) ليطيب باقيه، ومما جمعه من الزكاة، والعشور كان يرسل منه إلى طلبة المصامدة وقضاتهم حتى اشتهر أمره في سائر بلاد الصحراء والمغرب (2)، وأخرج من خمس ما أخذه من مغراوة سجلماسة وفرقه في فقهائها وصلحائها (3). ووضع بهذه السياسة لبنة تحالف الفقهاء مع المرابطين أيام دولتهم (4)، خاصة وأن تدخل المرابطين في المغرب الأقصى كان نتيجة لنداء فقهائه
وعبد الله، (5)
لهذا كان توجه المرابطين داخلياً لإصلاح الفرد في ذات نفسه وخاصة مجتمعه، ولم يكن لبسط سلطان إسلام لم يصلح حال حملته ولم يكن لهم من الإسلام إلا الشهادة. . . فكان تركيزهم على
(1) البكري، ص 166، 169. (2) ابن أبي زرع ص 126، ابن خلدون، ج 6، ص 375. (3) ابن أبي زرع، ص 128. (4) عز الدين موسى النشاط الاقتصادي، ص 152 وما بعدها. (5) ابن أبي زرع 127، ابن عذاري، ج 4، ص 10.
(ع)
ينما (1)
(0) 20
(0)
187
186