الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٢إن الفضاء المغاربي الكبير محمّل بمخزون ثقافي تفاعلت مكوّناته وعناصره عبر مسار تاريخي متشابكة توليفاته العرقية (الأمازيغية) والدينية (اليهودية والمسيحية والإسلام) والأسطورية (التقاليد الثقافية الإغريقية والرومانية). إنّه تنافذ إناسي كان عابرا للأزمان، محدّدا لملامح الشخصية المغاربية وتعبيراتها الثقافية والسياسية وصياغاتها الفضائية البيئية الثقافية وأنظمتها الإجتماعية والإقتصادية في مسار ثابت رغم محاولات تنميطها، قديما وحديثا، عبر استراتيجيات عديدة. فكانت شخصية عصيّة على التنميط والنمذجة.
هنا يظهر الاحتجاج في أكثر أشكاله توهجا وفي شبكة من العلاقات معقدة تصدّرتها الذات المغاربية من خلال مقاومتها لكل أشكال الاستيعاب عروبيّة كانت أو استعمارية. وهي في الحقيقة ليست سوى فضاءات باحثة عن فضاءات مجالات حيوية تقتضي في البدء استيعاب كليات التاريخ في صور جوهرانية ممأسسة.
قد اختلت المبادلات الرمزية في سوق السلع الرمزية وفي توزيع الفيء الرمزي، فاحتكر الرأسمال الرمزي في مجالات عديدة: لسانية (مركزية لسان العرب) وفرقيّة (مركزية الأرثوذكسية السنية المالكية في المغارب) وعرقيّة (أفضليّة العرب على الأمازيغ) ودينية (مركزية الاسلامات
وهامشية الديانات الأخرى خاصة اليهودية الموزعة على مجال المغارب).
تقتضي هذه المركزية محاولة تفكيكها لا على سبيل التفكير في تشكّل الغرب الإسلامي ومقالاته، فهذه مجالات قد تطرق إليها بحاثة كثر نحو هشام جعيط (?) والمبروك المنصوري (2)، وإنما على سبيل فقه ظواهر الاحتجاج وتأصيلها في سياقاتها التاريخية والثقافية والسياسية والاجتماعية والنصية وردها خاصة إلى أدواتها الرمزية التي تضفي على نظام التحاج أبعادا أنتروبو -ثقافية. ويتم ذلك عبر دراسة تشكلها انتروبولوجيا وايكولوجيا وسيميائيا، جلبا، لمنافع التعرف الى الفرادات الثقافية والصياغات الإبداعية للمحتجين ودفعا، في المقابل، لمضارّ الوقوع في التلفيق عوض التوفيق، والإتباع عوض الاستكشاف، والتوصيف الشكلي عوض التأويل الرمزي.
(?) هشام جعيط، تأسيس الغرب الإسلامي بيروت دار الطليعة، ط 1، 2004.
(?) مبروك المنصوري، عقائد الإسلاميين في بلاد المغرب الى نهاية القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي وأثرها في المذاهب الفقهية (أطروحة دكتوراه بإشراف الأستاذ المنصف بن عبد الجليل)، بحث مرقون بكلية الآداب، منوبة 2004.
140