الندوة الدولية العلمية حول كتب السير الإباضية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥٠

148

المقدمة

من الملفت للنظر أنَّ كُتَّاب السِّير في التاريخ الإسلامي لم يكتبوا تاريخهم على غرار من كتب التاريخ العالمي في ركاب الحكّام المستبدين تمجيدًا لانتصاراتهم، وعدا لجحافل جيوشهم، وإحصاء وتمجيدا لغنائمهم وأسراهم وسباياهم، وإظهارا لمظاهر أبهتهم وترفهم، وفرحا ورقصا على الأشلاء وخراب الديار وبثّ الرُّع عب والدمار.

بل اعتمد مؤرخو الإسلام كما أسلفنا منهج السِّير، فلا تجد في مؤلفاتهم السيرية إلا حديثا عن العلماء واجتهاداتهم في نشر العلم، ودعاتهم كيف ينشرون الإسلام بسمتهم وإخلاصهم، وزادهم وعبادهم كيف كانوا يحيون الليالي عبادةً، وخضوعا الله تبارك وتعالى، ومن جهة أخرى كيف كانوا يشيعون السلام والحب والاطمئنان في كل شبر حلوا به هذا ديدن المسلمين المخلصين لله

تبارك وتعالى.

كما أظهروا طلبة العلم، وكيف كانوا يجتهدون في التحصيل، وكيف ينقطعون لذلك في نظام قل نظيره، وأظهروا الشيوخ في تفانيهم لإيصال العلوم الشرعية خاصة، وكيف كانوا يجمعون بين العلم والعبادة، وأوردوا كراماتهم التي يقف الناقد أمامها بين مصدّق لما قد يوهب للأصفياء، وغير مصدق لما لم يألفه الآن من انقطاع ذلك المنهج السيري الذي كان سائدا من قبل، ليس عند الإباضية فقط بل نجده سائدا عند غيرهم أيضا، وقد تتشابه هذه الكرامات وقد تتطابق.

إن هذا المنهج الذي كان سائدا في ذلك العصر عند غير الإباضية أيضا يتمثل واضحا عند أبي زيد عبد الرحمن بن محمد الأنصاري الأسيدي الدبَّاغ الذي عاش بين سنتي (605 و 696هـ) والكرامات التي أوردها في كتابه «معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان».

إنَّ لذكر الكرامات أثرها النفسي على الإنسان حتى لأنها تجعله يحترم ذلك العالم المحظوظ برضا الله، وقد يبقى بين التصديق، والوقوف. وللحكم للكرامات أو عليها، ينبغي أخذ رأي علماء الشريعة

حينما يطالع القارئ كتب السِّير يجدها مليئة بذكر الكرامات التي تعطي مهابة للولي الصالح، وتترك انطباعا حسنا وأثرًا في النفس يدعو إلى الاقتداء والتأسي باخلاق هؤلاء الأولياء الصالحين.