الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٩٥???
في هذه الحقبة التاريخية وأسباب ذلك إيجاباً وسلباً، ولا شك أن الهدف من ذلك هو إعداد القدوة الصالحة في النجاح والتحذير من أسباب الإخفاق سواء في الحياة الاقتصادية أو النفسية أو العائلية أو الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية. وأحسن نظام شاهدته في هذه السير المغربية هو سرد تاريخ نظام حلقة العزابة في شمال إفريقيا وسبب تأسيسه وتفصيل قوانينه داخل الحلقة وخارجها سواء ما كان من أمر التلاميذ أو المشائخ وأعوانهم خلال فترة التكوين أو بعدها.
ولعرض هذا النظام وأبعاده الحضارية قسمنا المبحث إلى ثلاثة مطالب، ففي المطلب الأول: تعرضنا فيه لأهمية التربية والتعليم في الحضارة الإسلامية وفي المطلب الثاني: شرحنا قوانين حلقة العزابة وأما في المطلب الثالث: فقد شرحنا آثار هذا النظام وأبعاده الحضارية في المجتمعات المغربية التي اعتمدت هذا النظام في مدارسها العلمية آنذاك مما أورده الدرجيني في طبقاته، والبرادي في جواهره، والوسياني في سيره، والمزاتي في سيره.
المطلب الأول:
أهمية التربية في الحضارة الإسلامية
لقد أشادت نصوص القرآن والسنة كثيراً بأهمية التربية والتعليم في حياة المجتمع المسلم عموماً وحياة الفرد المسلم خصوصاً، قال تعالى في معرض الاعتراف بحقوق الوالدين: وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: 24]. وقال أيضاً عن فضل الرسول محمد على أمته: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [الجمعة: 2] ويزكيهم من معانيها ويربيهم.
وفي معرض التحدث بنعمة الله تعالى يقول الرسول: «أَدْبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي» [المقدسي: 27]. ويقول الرسول وهو يحث المسلمين على التنافس في التربية قائلاً: «مَنْ آوَى يَتِيمًا لِلَّهِ وَقَامَ بِهِ احْتِسَابًا لِلَّهِ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً» [الربيع: 662]. وقال أيضاً: «مَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ فَأَدْبَهُنَّ وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةَ» [أبوداود: 5147].
وقد كان الرسول يؤدب الصحابة الصغار على الخير والصلاح قائلاً لابن عباس مثلاً: «يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» [البخاري: 4982]. ويحرض المسلمين على مواضيع التربية قائلاً: «أدبُوا أَوْلادِكُمْ عَلَى ثَلاثِ خِصَالٍ حُبِّ نَبِيِّكُمْ وَحُبِّ أَهْلِ بَيْتِهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ