الندوة الدولية العلمية حول كتب السير الإباضية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٣٥

للناس في الآخرة في زعمهم، ومن أمثلة ذلك قصة مشهورة وقعت لأحمد بن حنبل ويحيى بن معين تناقلها الرواة، وذلك أنهما أي ابن حنبل وابن معين - صليا في مسجد الرصافة بالعراق، فقام بين أيديهم أحد القصاص قائلا: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: قالا حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله: «من قال لا إله إلا الله يُخلق من كل كلمة منها طير منقاره من ذهب وريشه من مرجان … وأخذ في قصة نحوا من عشرين ورقة، وجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين ويحيى بن معين ينظر إلى أحمد بن حنبل فقال: أنت حدثته بهذا؟ فيقول: والله ما سمعت به إلا هذه الساعة فلما فرغ من قصه وأخذ قطاعه، ثم قعد ينتظر بقيته. فقال له يحيى بن معين بيده، تعال، فجاء متوهما لنوال منه، فقال له يحيى من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله فإن كان لا بد والكذب فعلى غيرنا.

فقال له أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما علمته إلا الساعة فقال له يحيى وكيف علمت أني أحمق؟ قال كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غير كما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا، قال: فوضع أحمد كمه على وجهه وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما (?).

? - جانب تقديس غير القرآن:

إن حركة كتابة الحديث التي راجت لدى المسلمين بدوافع سبق ذكرها أنتجت نوعا من الإدمان على المرويات والاشتغال بها على حساب الفقه في القرآن فأسست بذلك لمنهج فكري منحرف يتميز بتقديس المرويات والتطرف في الاعتماد عليها ولو تعارضت مع القرآن، وهذا ما أذى بجزء من الأمة الإسلامية إلى الوقوع في خلل خطير، يتمثل في تقديم الحديث على القرآن، والسقوط في فخ تقديس غير القرآن والتصور أن للسنة أفضلية على القرآن الكريم، لأن القرآن في نظرهم محتاج للسنة، والسنة مستقلة غير محتاجة للقرآن الكريم، ومن ذلك قول البربهاري (ت:

(?) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 166/2.

???