الندوة الدولية العلمية حول كتب السير الإباضية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦١

القتال فليرجع بليل (1). ولعل اختيار الليل للرجوع عن القتال يحمل معنى الكتمان الذي عرفت به الإباضية لتجنب التأثير في بقية المقاتلين، خاصة وأن أبا الخطاب قد ألح على من يرغب في الرّجوع بالرجوع في ثلاث أيام متتالية حتى لا يبقى إلا من له استعداد مادي ومعنوي لذلك. كما ظهر أبو الخطاب من خلال هذه الفقرة فقيها يبشر أصحابه المرافقين له بالجنّة في حربه على ورفجومة ويقدّم فتاوى للفوز بالجنّة للمقاتلين معه: «يقول إنّي ضامن لمن مات في غزوتنا هذه الجنّة إلا من كانت معه إحدى ثلاث خصال، أحدها قتل النفس التي حرم الله، والثانية من كان على فراش الحرام، والثالثة من كان في يده أرض الغصب وله منها مخرج، أما من كان على فراش الحرام فليس منها ويشهد أنها ليست بامرأته ويتوب إلى الله، وأما أرض غيره إذا كانت في يده بالغصب فليتبرأ منها ويستشهد على تركها، وأما من قتل نفسا من غير حلها فليقيد نفسه لأولياء المقتول، فإن لم يجدهم فليدفع نفسه في سبيل الله.» (?)

يقدم أبو الخطاب فتاوى تبرئ المذنبين من أصحابه من ثلاث معاصي تحول بينهم وبين الشهادة والجنّة كما يقدّم بهذه الأحكام الفقهية دليلا على التكوين الديني الذي قد يكون قد تلقاه في حلقة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالبصرة.

واستطاع أبو الخطاب بفضل حسن قيادته لأصحابه من أن يدخل القيروان ويسيطر عليها ويعتمد تجاه أهلها سياسة عادلة، فلم يجهزوا على جريح ولم يهلكوا زرعاً ولم يسلبوا قتيلا، ويروي أبو زكرياء أنّ أبا الخطاب وأصحابه تركوا القتلى من خصومهم وكأنّهم رقود (2) لم يمسسهم سلب فسمي المكان بـ «رقادة (?)، ويذكر ياقوت الحموي في تعريفه لرقادة الرواية القائلة بأن تسمية المكان كانت في عهد أبي الخطاب وهو يسيطر على القيروان وسيرته تجاه العسكر المواجهين

(1) أبو زكرياء، «السيرة … »، ص (?) أبو زكرياء، «السيرة … »، ص 69.

(?) بلدة بإفريقية بينها وبين القيروان أربعة أيام، وكان دورها أربعة وعشرين ألف ذراع وأربعين ذراعا، وأكثرها بساتين ولم يكن بإفريقية أطيب هواء ولا أعدل نسيما وأرق تربة منها، قيل في تسميتها برقادة إن أبا الخطاب عبد الأعلى القائم بالدعوة الإباضية بأطرابلس لما نهض إلى القيروان لقتال ورفجومة وكانوا قد تغلبوا على القيروان مع عاصم بن جميل التقى بهم بموضع رقادة فقتلهم هناك فسميت رقادة لرقاد قتلاهم، والمعروف أن الذي بنى رقادة إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ياقوت الحموي، البلدان، ج ?، ص 55

??