الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٦٨166
بمؤونته حتى وصلوا أرض الحجاز فقالت عجوز للمتكفل بباثمان: دع هذا فإلى متى تحمله؟ فاخذ بقولها و خلى باثمان فعاد إلى أبي مهاصر كما كان أولا فبقيت في نفس باثمان مضاضة من كلام العجوز فتكلم بما معناه: وصلنا أرض الحجاز وموضع كرب النفوس فذهبت المروة و ثبت الدين لمن كان عليه، فيا سيل إياك إياك الرجال و دونك العجائز، لا تدع منهن من يعبر. قيل فأرسل الله سيلا فهلك فيه ثلاثمائة عجوز و لم يضر أحدا من الرجال وقيل قد حفظ من كلام عمر رضي الله عنه في العجائز ما ينبغي معه الحذر منهن روي عنه أنه قال لأن أجد في بيتي سبعين سارقا أحب إلى من أن أجد فيها عجوزا واحدة و إن كان هذا من غير هذا المعنى (1). إن نزعة الدّعابة أو «السخرية الملتبسة بالحكمة وإظهار القيم الإيجابية والسلبية في التصنيف التأريخي، وإمكانية ربطها بالنزعة النقدية لذهنية ظهرت في مقامات معينة كما رأينا من خلال هذه القصة القصيرة التي أوردها الدرجيني.، هو ما يجعل في اعتقادنا مفهوم الجنس الأدبي في تاريخ كتاب «الطبقات» موضعا ذا علامة. ولعل الجهاز الاصطلاحي المتعدد الذي استخدمه للإحالة على هذا المفهوم يعكس مدى تشعب الظواهر الأدبية في عملية تدوينه للكتاب.
ولا شك أن طبقاته هذه وقد أتى عليها حين من الدهر منذ أكثر من ثمانية قرون يطرح منهج ترصيفها هذا، وأسلوب تدوينها جملة من الملاحظات أهمها يتعلّق بصيغة الكتاب التي من الواضح أنها لم تنشأ عند صاحبها من قراءة عادية للوثائق والأحداث. فنشأة الدرجيني في القرن السابع للهجرة بوسط علمي وفي رحاب أسرة مثقفة، ساعدته على أن ينظر في أمر التاريخ والسير بمنهج أكثر تفاعلا من غيره من المؤرخين الإباضية. فهو قد جمع في نظرته للتاريخ الإسلامي ولطبقات المسلمين نظرة مزدوجة تعاضدت فيها متانة تكوينه العقلي والشرعي فبدا أحيانا بمنطق المؤرّخ الصارم وبدا حينا آخر بحس الأديب اللافت للانتباه القادر على التأثير، بالصور البيانية والمحسنات اللفظية الشكلية والمعنوية. كما خضع القول في توثيق بعض سير الأعلام الأخرى إلى الحافز الوجداني، لنزعة في الدود والدفاع الضمني عن الأصول الإباضية، وهي نزعة تفهم بالإطار النفساني والاجتماعي الذي كابده الإباضية عبر العصور وهذا الأمر من الوجهة المنهجية، لم يكن قسرا على الدرجيني
(1) الدرجيني: السير. ج ? ص ص 126-127.