الندوة الدولية العلمية حول كتب السير الإباضية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٦٩

وحده، فكثير من أصحاب السير الإباضية أرخوا بحس وجداني تفاوت بين التجلي والتخفي في كثير من الأحيان.

طبقات المشائخ بالمغرب حينئذ هو نص ثري مكتنز بالمعاني الثقافية والمواقف الفكرية. بدا الدرجيني من خلالها شديد الكلف بالتقسيم الزمني وبإشكاليات الترصيف الطبقي للمجموعات. ولم يكتف بوصف هذه الطبقات وتعريف أعلامها فحسب، وإنّما أعطى نموذجا لكتابة تاريخية يتوفر فيه النظام والائتلاف الذي تنشده ايبستيمولوجيا التاريخ في ذلك الحين. ولكن ما بقي منها طريفا» في قراءتنا المعاصرة، هو أنّها بسطت على وجه غير منهجي في مواضع عدّة كالعناوين الصغيرة التي وضعت على رؤوس بعض الفقرات (?) في حديثه عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وهو يورد أقوالا وردت في أبي عبيدة دون فحصها. ولكنها جاءت بتأمل أدبي وبحبك فني كشفت عن أدبية الدرجيني، سيما إذا علمنا وفق ما جاء على لسان البرادي في جواهره أنّ بعض سير الإباضية كانت قاصرة عن التعريف بسير الأوائل من أهل المغرب لتسرب كثير من الألفاظ والعبارات البربرية إليها مما لم يفهمه الكثيرون وأولهم إباضية المشرق. فوقع اختيار مجلس العزابة على أبي العباس الدرجيني المعروف بعلمه وفصاحته وإتقانه للغة القرآن الكريم (?) فجاء الدرجيني يؤرّخ باعتماد جملة من الأدوات المعرفية العربية أوّلها القرآن والحديث والشعر والأمثال والحكم والأخلاقيات، وهنا تتبدّى أهمية أدب الدرجيني في ضوء التأريخ الإباضي، فلم يخفت الجمال الفني نداء الفكر فيه ولا عرجت بالمؤرخ إلى التكلف بالبحث عن المفاخر، وإنّما كان بحكم موقعه التاريـ وليقظة حسّه يعرض لمسائل فقهية كالبيع وقضاء الديون قبل الإرث، وأخرى أصولية كالخلاف

(?) على سبيل المثال: السير ج 2 / ص 46

(?) وفي ذلك يقول البرادي: «ذكر لي بعض العزابة أن سبب تأليف أبي العباس هذا الكتاب، لما وصل الحاج عيسى بن زكريا من بلاد عمان بما معه من الكتب التي ورد بها أرض المغرب كحل ابن وصاف وجامع الشيخ أبي الحسن وجامع ابن جعفر وغيره، فكان مما رغب إليه فيه إخوانه من أهل عمان أن قالوا له وجهوا لنا كتاباً يتضمن سير أوائلنا ومناقب أسلافنا من أهل المغرب من لدن وقع فيه مذهبنا إلى هلم جرا، فإنه قد عميت علينا أنباؤهم وغابت عنا أثارهم من بعد الشقة، فشاء من بجربة يومئذ من العزابة والفقهاء ومن يشار بالبنان إليه من الحذاق والنبهاء في تلبية طلب إخوانهم إليهم ووصف لهم الكتاب المشروط عليهم، فنظروا في كتاب الشيخ أبي زكريا يحيى بن أبي بكر، فوجدوه مخلاً ببعض التفصيل قاصراً دون أمد التحصيل مع أ أن لسان البربرية أورد ألفاظه موارد التكليف وقلة تحفظه على قوانين العربية أدخل ببعض معانيها مجاهل التعسف، فاهتموا بتصنيف كتاب يشتمل على سير الدولة الرستمية ومناقب الأسلاف، كما طلب ذلك إليهم، فلم يروا أهلاً لهذا التصنيف غير أبي العباس».