الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٠168
في الرأي. ولمسائل أخلاقية كفضل التعاون والمساعدة والتحصيل والعلم (1). ويبحث عن التوثيق في ضوء الأحداث المتعاقبة التي مرت بها الجموع الإباضية من بداية ظهورها مثيرا في كل ذلك مسائل متنوّعة شغلت فكر الإباضية. فبدا الدرجيني معيدا لقراءة جديدة في ذلك التاريخ بوقائعه، يسلمه حسّه الأدبي إلى تلك التي قدمها وأرّخ لها بدقة المؤرّخ ويقظة الموثق وذوق الأديب ولما لا بشوق النّاقد المصلح إن جاز لنا القول. ولو تأملنا بنية المصطلح في طبقات الدرجيني نجد أنها عنصر من العناصر التي منها تألف منهجه في تدوين السير. وهي بنية محبوكة أيضا فنيا فعناوينه التي تصدّرت التعريفات وقراءته التاريخية لبعض المصطلحات هي قراءة تاريخية عُني فيها بالجانب اللفظي لرصد التنويعات وما لها من أثر تحسيني في التقبل. بل إنّ أبا العباس اعتمد في تأريخ بعض المصطلحات كمصطلح العزابة ومصطلحات مفهومية أخرى كالهدى والضلال والتقى والبدعة … على المراوحة بين الجانب اللغوي وبين الجانب الاصطلاحي جاعلا لكل مصطلح بنية فكرية واقعية وليست متصورية. وغالبا ما جعل في شرحه لهذه المصطلحات ومفاهيمها نظاما داخليا لولاه لتحدّثنا عن قائمة من المصطلحات المعزولة عن بعضها البعض وإنّ هذا النظام الداخلي الذي تبيناه في منهج الطبقات قد قام على قانونين ذاتيين: أولهما قانون إنتاج المصطلح وثانيهما قانون توليده من صلب المنظومة الفكرية الإباضية.
. خلاصة ما نخرج به من دراستنا لطبقات الدرجيني ثلاث نتائج:
أولها أن كتاب الطبقات قد تعدى صفة التاريخ فحسب وارتقى من حيث المكانة الملائمة له من رتابة السرد التاريخي إلى جمالية الحس الأدبي في التاريخ.
ثانيها أن الدرجيني صاحب اجتهاد في التنظير الاصطلاحي.
ثالثها وهي زبدة هذا البحث، أنّ ناصية الأدب التي امتلأ بها كتاب الطبقات، هي مواهب وراثية أدت إلى غايتها وهي مالا يُعرفُ إلا بعد أن اشتغل الدرجيني بتحصيل المعارف زمناً، وظهر عليه أثرها وهو يؤرّخ ويدوّن للسير والطبقات. فبدا مؤرّخا كسائر المؤرّخين بقوة
(1) ر على سبيل المثال: السير ج ? ص 254 وما بعدها.