الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧١179
IN
VANA.
الكسب والاجتهاد، أديبا بالفطرة و الموهبة. ويبقى الترجيني المؤرخ أديبا لا بالمعنى الكامل لهذا التخصص، ولكنّه من هذا العلم من وراء حجب، وحطّ في مناح من كتابه الرحال على أديم الإبداع الأدبي دون أن يقر له قرار أدبي مضبوط يكشف عن حقيقته. ولا نشك في أنّ جهود هذا المؤرّخ في مؤلّفه الذي به اهتممنا قد غدا أثرها مصدراً لمعظم من جاء بعده من المؤلفين المهتمين بتاريخ المغرب الإباضي وهي جهود على قدر غير زهيد من الأهمية. وأنها أتت أكلها في مجال السيرة بعد حين ولكن الدراسات الحضارية حول هذا الكتاب و حول غيره من كتب السير الإباضية ماتزال على وتيرة بطيئة. وإنّ في تكاثرها وارتفاع وتيرة درسها شدّا لأزر المؤرّخين وكتاب السير. ولعلّ هذا العمل ينحت له وجودا ضمن هذه
الدراسات.
ختاما إنّ متن كتاب الطبقات وإن كان مشتركا بين أغلب المؤرخين الإباضيين رغم تفاوت أزمنتهم، فإنّ اختلافه معهم في المنهج والأسلوب يحيلنا على تنوع ثقافي وحضاري ليس من الهين تجاهله كما ليس من الهين الإلمام به. وإذا كانت لذة هذا المؤرخ الأديب في إبداع تاريخ محبوك الإخراج في أسلوبه وشكله، فإنّ لذة المحلل والباحث تكمن في مجاهدة هذا المدونة التّاريخيّة في فحواها و غرضها للوقوف على مقومات الإبداع في نسجها ونسق انتظامها وخصائص بنيتها وأساليبها، وأبعاد معانيها ودلالاتها. إذ ما من شيء في مساحة طبقات الدرجيني إلا وله وظيفة مخصوصة، ولديه تباعا لذلك دلالة، ووراء النسق الأدبي فيه فكر منضد و عقل مدبّر ووجدان مؤثر يشحن اللفظ بطاقته العاطفية وذائقته الوجدانية، فيحرك نفس المتقبل
دون أن يفقه له معنى من أول وهلة في بعض الأحيان.