الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٣الكيفية (1).
ومن خلال الزيارة الميدانية لواقع فُرْسُطَاء القديمة يتضح أنّها كانت عامرة بالسكان زمن الديانات السماوية السابقة، بدليل تلك المعابد والكنائس الموجودة بها والتي يستمر ذكرها في حينها، وبالتدريج عائق وعانقت الإسلام في نفس المكان (?)، مما أدى إلى تحوير بعض معابدها القديمة إلى مساجد، وفي خلال هذه الفترة أنجبت أعلاما و علماء، أقدمين أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجري.
وبالتدرج ثمّ انتقال فُرْسُطَاء، في المرحلة الثانية إلى تحت حافة الجبل وصدره وعلى نهاية الضفّة الشمالية لوادي فُرْسُطَاء، حيث الأمان وكثرة مياه العيون والأبار والوديان الجارية في فصل الشتاء، واستقر بها المقام حول القصر [قصر التخزين] الذي قد يكون بني قبل انتقال الناس إليه، لحفظ أموالهم ومدخراتهم الزراعية والصناعية وغيرها، وتعرّشت حوله المساكن ذات الكمر المستطيل والغرف المتعدّدة، وشقت الطرق والدروب لتصل لجميع الأديرة السكنية حسب التقسيم العائلي والعشائري الذي تميّز به سكان نفوسة في كل قرية ومدينة.
وبذلك تكونت فُرْسُطاء المرحلة الثانية التي توسّدت صدر الجبل واحتضنته من جميع الجهات كأنها أم حنون يمدها بالأمن والاستقرار والعطاء، وبمرحلتيها التاريخيتين الأولى والثانية حفلت بأمجاد علمية ودينية وأنجبت أعلاما أفذاذا، أناروا درب الأمة مشرقا ومغربا وحملوا مشعل الهداية إلى مناطق إفريقيا، ويكفيها فخرا وحرية أن تسمّى عاصمة الجبل الثقافية، وأن تنجب الشيخ الفقيه المصلح الإباضي أبي عبد الله محمد بن بكر - رحمه الله - مؤسس قواعد السيرة ونظام العزابة الذي ولد سنة 345هـ / 956م موقعها الحالي شمال شرق كَبَاؤ على خمسة كيلومترات تقريبا.
(?) وقد شرب الباحث ورفيقاه من مثل هذه الآبار ماء عذبا زلالا، وشاهدوا أشغال حفر جديدة لمثل هذه الآبار في منطقة نالوت لأرضي تستصلح حديثا، جويلية 2009م.
- نفس الشكل للأبار مستعمل بجزيرة جربة جويلية ????م، سبتمبر ????م، ماي ????م.
(?) يصر أهل جبل نفوسة الذين التقى بهم الباحث عند زيارته للجبل في مارس ????م، على أن جبل نفوسة كان متدينا بديانة أهل الكتاب السماوية في العصور القديمة ولم يكونوا على الوثنية، مما جعلهم يحتضنون الإسلام عند دخوله بدون معارضة تذكر.
???