الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٣جُرح سبعة عشر جُرحاً، فظنوا أنه قد مات فتركوه، فوجد في نفسه النهوض فنهض، ودخل موضعاً يقال له وعمان، ومكث فيه أربعين ليلة بلا طعام ولا شراب، غير أنه يرى في نومه من يُطعمه ويسقيه، وخرج من الموضع وهو أصح شيء، وكأنه لم يُصبه ألم، وذلك بفضل الله وحسن نية الرجل وجميل قصده … (?)
ومما يروى أيضا عن بعض المشايخ رحمهم الله، ومنهم أبو محمد وسلان بن يعقوب المزاتي (2) أنه لما كان في أيام إقامته بجبل نفوسة طلباً للعلم، كان إذا وصله كتاب من تلقاء أهله رمى به في كُوّة لا يقرأه، حتى قضى وطره من علم الفروع وعقد النية على الرجوع إلى أهله، فقرأ الكتب فوجد في الأول التعزية بأمه، ووجد في كل كتاب ما لو اطلع عليه لكان شاغلاً عما قصد إليه من الخير … ؛ قيل وكانت إقامته بين أهل الجبل سبع سنين، فحصل ديواناً عظيماً، فكان يقرأ فيه ويدرس عند أهله، وكانوا إذا رأوه يقرأه في الشتاء، قالوا له، يبتل كتابك، ببلل أندية الشتاء، ويقول لهم سيأتي الصيف ويجف، فإن كان الصيف قالوا: يحترق كتابك ويتقبض بحر الشمس،
ويقول لهم سيأتي الشتاء، وينبسط، وكان رحمه الله_ لا يفتر عن القراءة في كل زمان (?).
وقد تكررت قصة الانقطاع لطلب العلم وعدم النظر في الرسائل التي تصل من الأهل، مرات عديدة في تاريخ أعلام الإباضية؛ وذلك بحفظ الطلبة والعزَّابة للسير وسعيهم في اقتفاء أثار أسلافهم، ولنا في الشيخ أبي مسور يسجا بن يوجين اليراسني (ق) 3هـ (9م) (4) همة عالية ومثال
(1) الدرجيني؛ طبقات المشايخ بالمغرب، ج ?، ص 411.
(?) ويسلان بن يعقوب الدجمي المزاتي (أبو محمد)؛ (350 - 400 هـ / 961 - 1009م من قبيلة مزاتة عمل في شبابه راعيا بالبادية، ثم أخذ عن أبي القاسم يزيد بن مخلد في كبره، فدرس القرآن لمدة سبع سنين، وعلم الأصول والحجة والكلام لمدة ست عشرة سنة. جمع ديوانا كبيرا كان يدرسه عند أهله، وعادته عدم الفتور عن القراءة في كلّ زمان. أخذه رجال المعز الفاطمي وحبسوه لأنه صاحب أبي القاسم يزيد بن مخلد، ثم أطلقوا سراحه، لأن أهل السجن اشتكوا قراءته الدائمة للقرآن، وكان جهير الصوت معجم أعلام الإباضية ج 4، ص 441.
(3) الدرجيني؛ طبقات المشايخ بالمغرب، ج ?، ص ???.
(4) يسجا بن يوجين اليراسني (أبو مسور)؛ (أوخر: ق (?هـ / ?م من عظماء جربة بتونس. اسمه يسجا، وهي بربريئة تعني: استقام. لما أراد يسجا المسير إلى أهله اشتغل بنسخ الكتب، وكان شديد الاهتمام باقتنائها. ترك أقوالاً فقهية، وحكَمًا كثيرة، ذكرت بعضا منها كتب السير. ويذكر القطب أطفيش أنه أصل نسب أولاد أبي مسور الذين جاؤوا من جربة أو نفوسة ونزلوا العطف، وهم الذين يحملون لقب «الحاج عيسى» _حاليا من عشيرة آل الحجاج. توفي في حومة قلالة بجربة، وبها دفن، ولا يزال قبره معروفا؛ أنظر: معجم أعلام الإباضية، ج 4، ص 983.
??