دراسات وبحوث مغربية
الجزء ١ · صفحة ١٣٥لقد برز التصوف في بلاد المغرب مع ظهور الزوايا وانتشارها خلال القرنين السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، وأصبح معروفا وشائعا، والتصوف عبارة عن تجربة ذاتية روحية واتجاها فكريا يبحث في العلاقة بين الإنسان وربه، ويحكم على الأشياء من هذا الكون والعكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالي، والإعراض عن الدنيا وزينتها وبهرجها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة وجاه والخلوة للعبادة 1. ويطلق عليه أيضا علم الباطن أو علم الحقيقة مع الإلمام بعلم الظاهر، وهو الشريعة الإسلامية، لم يقتصر تدريسه على سالكي الطريقة أو على المريدين فحسب، بل أصبح علما يدرس على الطلاب جميعا كالعلوم الأخرى، وكان الإقبال على دراسته كبيرا وأن مدرسيه يحظون بتقدير خاص لدى المجتمع والدولة. ولذلك لا نجد خلافا كبيرا بين الفقهاء أصحاب علم الظاهر، وبين المتصوفة أصحاب علم الباطن. وإن وجد هذا الخلاف بينهما فحالته محدودة، على خلاف ما ظهر في بلاد المشرق، وربما يعود السبب في ذلك إلى تغلب المذهب المالكي في بلاد المغرب، وإلى غياب نزاعات فكرية وفلسفية متطرفة كما هو الشأن في بلاد المشرق، وتدعم هذا التعايش بين الفقهاء والمتصوفة في بلاد المغرب بعد زوال الدولة الموحدية
،
2
أخذ التصوف ينتشر في الأوساط الشعبية ونخبة القوم، غازيا عقولهم وأرواحهم ووجدانهم. فقد أخذ سلاطين بني حفص في القرن 7 هـ / 13 م يعتقدون بالأولياء ويقدرونهم ويحترمونهم ويتقربون منهم بمختلف الوسائل والطرق بنيل رضاهم وبركاتهم ومن بين هؤلاء الأولياء، يعقوب بن عمران البويوسفي، شيخ زاوية ملارة ببلدية تسدان) فرجيوة (الذي سار على درب أسلافه في التصوف السني الميبني على الاعتدال مقتديا بأبي مدين شعيب الغوث (ت (1198595 وأبي الحسن الشاذلي (ت
1
ابن خلدون: المقدمة. ص
865 - 864
2 بوداود عبيد: ظاهرة التصوف، ص 24383
147