دراسات وبحوث مغربية: أعمال مهداة إلى الأستاذ الدكتور موسى لقبال مجموعة مؤلفين

دراسات وبحوث مغربية

الجزء ١ · صفحة ٢٣٤

ومن الممكن ربط قيام هذه الحضارات التي ظهرت على ضفاف البحر المتوسط

بعامل الطبيعة أيضا على اعتبار أن مناخ هذا البحر يتميز بالاعتدال في الحرارة والرطوبة على مدى طول السنة، بما يسمح لسكانه من القيام بأنشطتهم اليومية المعتادة من دون عوائق طبيعية. غير أن ما يميز مدنيات البحر المتوسط عن سابقتها التي نشأت على ضفاف الأنهار، أنها لم تقتصر على الميدان الزراعي فحسب بل إن مدنيات عالم البحر الأبيض المتوسط تميزت بالتنوع في أساليبها ومجالات أنشطتها، وبخاصة

1

التجارية والحرفية. فمنذ البداية كان عامل نقص الأراضي الصالحة للزراعة بالأقاليم المحيطة بحوض البحر الأبيض المتوسط الدافع الأساسي الذي حفز السكان إلى التفكير في وسائل جديدة للعيش بأن ولوا وجوههم شطر البحر لاستغلاله في الصيد والتجارة. وتطلب الأمر، مع مرور الوقت بناء القوارب التي تساق بالمجاديف، والمغامرة بها في الموانئ المجاورة. ثم جاءت بعد ذلك مرحلة اكتشاف بعض المعادن والمواد الأولية، مثل: البرونز والنحاس والذهب الفضة والاهتداء إلى منافعها بتحويلها وتشكيلها في صورة أواني وأدوات وحلي وأسلحة التي ما لبثت أن استهوت الناس، فأخذوا يقبلون على اقتنائها والمتاجرة فيها. وبمرور الوقت ظهرت الحاجة لدى البعض، خصوصا عندما كثر الطلب على هذه المعادن إلى البحث عنها في الأقاليم البعيدة والمتاجرة فيها. وعاش البحر المتوسط على إيقاع هذه الحركة التجارية لقرون طويلة. كما مكنت هذه المغامرة المربحة في البحر أصحابها بالموازاة لذلك، من إقامة قواعد

2

1 Armstrong: the Early Mariners (London 1967). P 18 - 20.

2 تحدثت النصوص الميثولوجية التي تعود إلى العهد السومري عن استيراد الخشب من لبنان. كما أظهرت بالموازاة بعض الألواح المدونة بالكتابة المسمارية التي عثرت عليها الحفريات الأثرية في تل العمارنة بوسط مصر. والتي تعود على عهد الفرعون إمنحتب الرابع (1367 - 1347 ق م عن وجود تبادل للبضائع بين بلاد الرافدين ومصر وسكان منطقة فينقيا. راجع للمزيد:

Dictionnaire de la civilisation mésopotamiennes sous la Direction de laffont. p 38. <Robert <ed «Francis Joannes

248