دراسات وبحوث مغربية: أعمال مهداة إلى الأستاذ الدكتور موسى لقبال مجموعة مؤلفين

دراسات وبحوث مغربية

الجزء ١ · صفحة ٢٣٥

ومحطات للاستراحة والتموين سرعان ما اتسع نطاقها إلى أن أضحت مدنا كبيرة مزدهرة تعج بالنشاط والحياة المترفة. وإلى هذه الفترة أخذت حركة الهجرات البشرية واتساع ظاهرة العمران تنمو وتتمركز حول ضفاف البحر المتوسط. في حين بدأت المدينات الزراعية القديمة التي نشأت حول الأنهار الداخلية في التراجع والاضمحلال. لذلك لم يكن من باب المصادفة أن يلتفت الفيلسوف والجغرافي اليوناني

أفلاطون Platon (428 - 348 ق. م) إلى ظاهرة انتشار البشر بأعداد كثيفة حول الأراضي المحيطة بالبحر المتوسط على عهده. فكتب يصور بدقة فائقة هذه الحال قائلا: لم نكن نقطن من الأرض سوى الجزء الممتد من مياه فازا phase (بحر إيجه) إلى أعمدة هرقل Colonnes d'Hercule جبل طارق و الناس على جوانبه كأنهم نمل أو ضفادع حول مستنقع". 1 فالبحر المتوسط، الذي يقع بين ملتقى ثلاث قارات ويشكل حوضا مائيا شبه مغلق كان على مر العصور القلب النابض بالحياة ومنطقة اجتذاب للهجرات البشرية للعيش والاستقرار وبناء العمران على أطرافه. فعلى شواطئ هذا البحر الجميل، وتحت سمائه الزرقاء المشرقة ومناخه اللطيف تفتحت المدن العامرة وانتظمت الحياة بها، وعم الرخاء والازدهار أرجائها ولا تخلو كتب التاريخ، سواء من العهد القديم أو الوسيط من الإشارة إلى مختلف المدائن التي انتشرت على ضفاف حوض المتوسط والشعوب المهاجرة التي استوطنتها وفصول الحرب والسلم التي دارت بينها ونكتفي في هذا الشأن بذكر ما كتبه أحد الجغرافيين المسلمين. أبي بكر الزهري، المتوفى في أواخر القرن السادس الهجري حول أهمية منطقة حوض البحر المتوسط في استقطاب الناس للعيش فيها والاستقرار بها وبناء العمران: " .... وليس في معمور الأرض أكثر عمارة من هذا البحر، وذلك أنه معمور الجانبين لا

6

وول ديورنت: قصة الحضارة. مج 6، دار الجيل للطباعة والنشر، بيروت، ص 9 كلود الماس: تاريخ الحضارة الأوربية. منشورات عويدات، طلا، 1982، ص 8

249