دراسات وبحوث مغربية
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦تنقطع العمارة فيه يكاد الناس يتعاطون السراج عليه من الضفتين لكثرة المسكن.
وذلك أنه يسكن عليه أمم كثيرة من الجانبين .. ».
والواقع أن الأمم التي انتشرت على أطراف المتوسط أدركت، منذ البداية، أهمية هذا البحر من حيث أنه يتوسط القارات الثلاثة التي يتألف منها العالم القديم، وهي قارات آسيا وإفريقيا وأوربا. كما أنه يشكل طريقا مائيا سهلا للاتصال يربط بين أكثر أجزاء تلك القارات نشاطا في ميدان الحضارة البشرية. بما يضمن لم تعود له الغلبة على مياه هذا البحر، من أن يفرض نفوذه و سيطرته على جميع تلك الأجزاء، ويمكنه بالتالي من تحقيق السيادة الإستراتيجية والتفوق الاقتصادي. ومن هذا المنطلق أخذت الدول الكبرى التي تأسست على أطراف البحر المتوسط، منذ العهود القديمة إلى نهاية العصور الوسطى، تتسابق لانتزاع السيطرة على مياه هذا البحر وإخضاعه لنفوذها، باعتباره مفتاح التفوق على جميع الدول المحيط به
* الفينيقيون أول أمة تحقق السيادة على البحر المتوسط
•
وهكذا فمنذ أن استقر الفينيقيون منذ مطلع الألفية الثالثة قبل الميلاد، عند إقليم الساحل الشرقي الجنوبي للبحر المتوسط. وهي رقعة ضيقة من الأرض تمتد على
2
الشريط الساحلي من نهر العاص شمالا إلى مدينة حيفا في الجنوب. وجدوا أنفسهم، بسبب تناقص المساحات الأرضية الصالحة للزراعة مجبرين على التوجه صوب البحر للبحث عن فرص العيش والنجاح وانقطعوا إلى الأعمال البحرية، الصيد والتجارة. مستفيدين من مواقع مرافئهم ومستثمرين الموارد التي توفرها غابات لبنان من الأخشاب الجيدة لبناء المراكب ولقد مهر الفينيقيون في بناء السفن وركوب البحر بهمة وشجاعة، وقصد ملاحيهم بكل جرأة الشواطئ المجاورة سعيا وراء البحث على المواد الأولية وإيجاد أسواق لتصريف سلعهم. وقد نشطوا في كل اتجاه وتاجروا في كل البضائع. وبمرور الوقت عظم نشاطهم البحري والتجاري في الحوض الشرقي
كتاب الجغرافيا. تحقيق محمد حاج صادق، منشورة في: 1968. Bulletin Etudes Orientales T 21
p 179
2 C.Autran : les phéniciens. (paris 1920) .p 31.
250