دراسات وبحوث مغربية
الجزء ١ · صفحة ٢٥١اقتصاديا موحدا في كامل البلاد التي فتحوها استمد قوته من احتكار منابع إنتاج المواد الأولية وطرق توصيلها إلى مراكز الاستهلاك الكبرى في حوض البحر المتوسط. هذا زيادة على أن الأقاليم التي خضعت لسيادة المسلمين، ظلت، حتى ذلك العهد، أهم الأقاليم في العالم تطورا من الناحية الاقتصادية بإنتاجها الزراعي والصناعي والمعدني، وخصوصا بتنظيمها التجاري. الشيء الذي هيأ للمسلمين منذ القرن الثامن الميلادي، بفضل سيطرتهم التامة على تلك المناطق، من أن يتبوءوا مكانة السيادة الاقتصادية في الشرق والغرب على حد سواء، ومكنهم وضعهم المتفوق من سك نقود ذهبية قوية احتلت الصدارة كعملة مرجعية في أسواق المداولات. وكان الذي هيأ السبل أمام المسلمين لإحراز السيادة الكاملة على مياه حوض البحر المتوسط خلال مرحلة العصور الوسطى الباكرة الدولة الفاطمية، التي تأسست في بلاد المغرب مع مطلع القرن العاشر الميلادي (سنة 909 م). إذ أظهر الفاطميون، منذ البداية رغبتهم في إقامة إمبراطورية تتسع إلى كل الربوع التي أطالتها حركة الفتح واستوطنها المسلمون. ولأجل ذلك رأوا أن يتجهوا بعاصمتهم إلى البحر فكانت المهدية" أول عاصمة إسلامية تقام على البحر.
1
وليس إلى الشك سبيل في أن الفاطميين كانوا يقدرون أهمية البحر المتوسط في توفير الشروط الاقتصادية والعسكرية التي تحتاج إليها دولة فتية تطمح لأن تكون إمبراطورية عظمى في المستقبل. واضعين في الحسبان الظروف التي أحاطت بالدولة البيزنطية عند قيامها. فلقد استطاعت الدولة البيزنطية في رأيهم، بعد أفول نجم روما، من خلال عاصمتها القسطنطينية)، التي تقع على البحر، أن تفرض نفسها وتسترد في وقت قصير جميع الأراضي التي خسرتها الإمبراطورية الرومانية أثناء الاجتياح الجرماني. كما مكنها موقعها على البحر من استعادة السيطرة على جميع الأراضي المطلة على البحر المتوسط. و أن تأسس في زمن قياسي إمبراطورية مترامية الأطراف بواسطة أسطول قوى
1
L'or Musulman du VII au XIRs". (Annales D'histoire économique et M. lombard : sociale) 1947 - Il cp 164 - 6.
265