ديوان ابن بحمان
الجزء ١ · صفحة ١٣22 -
التقديم لديوان ابن بجمان الاعتقادات الزائفة، فلاقي لذلك الشيخين السالفين من أجل نشر رسالة الإصلاح أذًى كثيرا، كما كان للشيخ صاحب الديوان نصيبه من أذى الناس ومكرهم، حيث فقد ابنه ظلما حين نفاه قومه إلى البليدة متهما، زورا ليموت بالجذري هناك، وقد رثاه وبكاه أبوه بحزن شديد ويطول بذلك سخط الشيخ وتهجمه على قومه وفضح أفعالهم بسب هلاك ابنه وثمرة فؤاده، لم يكن ذلك تهكما أو تمتكا ولكن فضحا وتأنيبا لهم حتى ينيبوا ويخجلوا من أفعالهم كما كان تنفيسا من الهموم التي أسرت قلبه و كادت تقضي عليه، وستلاحظ كثرة ذلك في أماكن مختلفة من الديوان من المطاع إن جهود الشيخين في الإصلاح جلبت إليهما الطلبة من مختلف المشارب والذين صاروا بعد ذلك هم الأقطاب، ولا شك أن ملازمة الشيخ إبراهيم بن بحمان لهما كان لها الأثر الكبير في صقل شخصيته الرافضة للجهل والناهية عن المنكر، في زمن طغت فيه العصبية واشتد فيه الأخذ بالثأر.
لما كان
لقد سلم الشيخ من محاولات الاغتيال التي كانت كثيرا ما تحاك ضد الشيوخ المصلحين، ولعله كما قال لي الحاج سليمان بكاي: «إنه (يعني الشيخ ابن عائلة عُرفت بالعلم وكان لها مكانة اجتماعية مرموقة صار أبناؤها ومنهم الشيخ الحاج إبراهيم والشيخ ضياء الدين" لا يُمسون بالأيدي وإن كانوا يؤذون بالقدح في مجالس الغوغاء أو باللمز في الطرقات». (2)
بحمان)
من
وقد كانت حركة التنقل العلمية خلال هذه الفترة مزدهرة بحكم الإصلاحات وظهور تقنينات "اتفاقيات العزابة" التي كانت تجمع العزابة باستمرار، ما أحدث نقلة نوعية للقاءات التي كانت تجمع عزّابة قرى وادي مزاب، إذ فيها وجد العلماء والأدباء منهم ضالتهم ومتنفسهم من جفاء، أقوامهم كما وازدهرت حركة النسخ والمراسلة بينهم وبين إباضية عمان وجربة، ولقد وقفت بنفسي على كثير منها كما
1. الحاج سليمان بكاي، مؤرّخ وحافظ، وهو أيضا قيم مكتبة الاستقامة ببني يسجن، غرداية. 2. لقاء مع المؤرخ الحاج سليمان بكاي بمكتبة الاستقامة بني يسجن، 13 ديسمبر 2004.
23.
التقديم لديوان ابن بجمان - لاحظت معاصري الشيخ إبراهيم بن بحمان فإذا أغلبهم ممن اشتغل بنسخ المخطوطات، إذ منهم من لا تقلّ منسوخاته عن عشر كتب من الأمهات)، ليس هذا فقط بل إنهم اعتنوا حتى بتجليدها وزخرفتها وتدبيج خطها، وكلّ ما يمكن أن يعتبر وقتئذ من المكملات الحديثة للتأليف والنسخ.
أما المراسلات فقد كانت بحق نزهة للألباب الحائرة من غلظة أقربائها وجفاء أبناء البلدة الواحدة، فترى شيخنا إبراهيم بن بحمان يتذمر من أو باش بلدته بني يسجن، يتوق إلى القرارة وأهلها، مادحا إياهم بكل بديع ورفيع، في حين تجد شكوى صديقه الشيخ بالحاج بن كاسي القراري واستياءه من أهل بلدته القرارة ومن فضاضتهم، في رد الجواب إلى شيخنا إبراهيم بن بحمان، وهذا الأسلوب كان هو مراسلاته، ومرد ذلك أن الإنسان السجين يرى أو يتوهّم أن كل ما هو خارج محيطه أحسن مما عنده، وعلى العكس فقد يتوهم البعيد أن ما بالداخل أجود مما عنده و وكل هذه وأخرى قضايا نسبية كونها ظواهر إنسانية نفسية وجدانية. الشاعر:
امحمد
بن عبد العزيز)
بني يسجن
الغالب في
بن
عبد الله البارزين،
نسبه ونشأته هو إبراهيم بن عبد الرحمان (3) بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد العزيز بن عبد الله بن بكير بن موسى بن بن يحي بن موسى الحفصي قبيلة المزابي بلدا)، من علماء وقطب من أقطاب مزاب على عهده، وكما قال فيه الحاج سعيد يوسف: «كان مؤلّفا وشاعرا جليلا وعالما حكيما أديبا فيلسوفا ورحّالة»، لم تورد المصادر سنة ميلاده، ولعلّها كانت في الثلاثينيات أو الأربعينيات من القرن 18 م ذلك لأنه
1. ينظر: فهرس مخطوطات الخزانة العامة مؤسسة عمّي سعيد غرداية، ط 1، 2002، كشاف النساخ، 187. 2 ينظر جواب الشيخ بلحاج إلى ابن بحمان مع مؤلفات هذا الأخير بمكتبة الحاج صالح، لعلي مخ كله. هذا هو الاسم الأصلي للشيخ ويقال لعبد الرحمان بالبربرية بحمان ولا تزال مثل هذه الأسماء منتشرة بمزاب. 4. إليه يرجع نسب عشيرة بامحمد بن عبد العزيز ببني يسجن من أكبر العشائر بها. 5. ينظر: مذكرة لدفتر قديم لعائلة الثميني بحوزة المؤرّخ الحاج سليمان بكاي بمكتبة الاستقامة ببني يسجن. مخ كله 6. الحاج سعيد يوسف، تاريخ بني مزاب، ص 84.