ديوان ابن بحمان
الجزء ١ · صفحة ٢٠36.
التقديم لديوان ابن بحمان - يكرّر قوله في كثير من الأحيان ما مفاده جمود فطنته كقوله مثلا: « .. إذا تقرر هذا فنقول مع جمود القريحة، وحمود الفطنة والسليقة، مستعينا بالله تعالى .. ») وقوله أيضا في موضع آخر والذي منه تستشفّ تكلّفه النظم فعلا: « .. وبعد فقد هَمَمتُ مُضي أن أسبك في قالب البردة سبيكة من الوديلة وأن أنسج على منوالها قصيدة … وقد صدر ذلك منّي مع كثرة الأشغال والدّعاوي، وجمود فطنتي وحمود قريحتي، وقلة بضاعتي، لما أنّي ما رأيت أحدا من السلف الصالح رحمهم الله حام حول هذا الشأن ولا أشار إليه إشارة ما ولو بالبنان .. » (2)
إن هذا التواضع المحسوب للشاعر لا يضعُ عنه إقراره بضعف قريحته وحمود فطنته كما صرّح هو بنفسه، ثمّ تكلّفه عناء الرّصف مجاراة كما هو الحال في بردته التي سبكها في قالب بردة البوصيري، أين أصرّ على نظمها لما تيقن أنه لم يسبقه إلى ذلك شيوخه من الإباضية، وهو الثابت عندي حتى هذه اللحظة مع طول البحث والسؤال عن ذلك، إذ لم ينظم في فن البردة إلا لاحقوه. إنه من المرجح عندي والله أعلم هو النظم التأريخي المناسباتي للشعر، إذ لا تمرّ مناسبة مهمة كتب فيها نثرا كما أسلفت على اختلاف مناحيه من رثاء أو مراسلة أو مدح أو شكوى أو عتاب .. إلا وأعقب ذلك النثر بنظم وهو الغالب على شعره، كما ستلاحظ ذلك من خلال تصفحك للديوان، فقد كان بذلك ينظم ويؤرّخ هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن النظم يمكن حصره بين سنوات معلومات رغم طول المدة نوعا ما بين أوّل قصيدة وآخر قصيدة في الديوان، فالأولى موقعة بتاريخ أوائل عام 1182 هـ (3) والأخيرة بتاريخ أواسط صفر من سنة 1221 هـ، يعني حوالي أربعين سنة بين الأولى والأخيرة مع ملاحظة كثرتها خلال سنوات 1206–1207 هـ، ولا أدري سبب غياب النّظم بعد سنة 1221 هـ. قال له اوت
1. ينظر: آخر الديباجة التي تسبق قصيدته لوعة الاشتياق، الديوان، ص 78. 2. ينظر: الدِّيباجة التي تسبق قصيدته البردة، الديوان، ص 137. 3. ينظر: البيت 84 في قصيدة الكشافة الهم الباترة الغم، الديوان، ص 102.
من
37
التقديم لديوان ابن بحمان - لكنه بقي يكتب في أغراض نثرية أخرى)، ثم ليتوقف عن الكتابة نهائيا على ما وصلت إليه بعد سنة 1225 هـ، وذلك من خلال ملاحظة مؤلّفاته والسنوات التي كتبت فيها، لتبقى بذلك مدة سبع سنوات لم تعرف أي تأليف - إن صح ذلك، بعد الرّجوع طبعا إلى ما هو بين أيدينا من مؤلفاته حتى التحاقه بالرفيق الأعلى، ولعل أسباب توقف الشيخ عن التأليف، بالإضافة إلى جمود الفطنة وحمود القريحة وقلة البضاعة، كثرة الهموم والدعاوي .. فقد كانت بالفعل من السمات الواضحة في شعره، ولعلك ستلاحظ ذلك من خلال قراءتك المتأنية للديوان بيت لقرعة الحكيم ومما يؤاخذ على الشيخ في شعره التكرار المستمر والمتواصل في تضمين الشواهد والاقتباسات واقتصاره على استعمال مجموعة من الأبحر الشعرية دون غيرها … ولعلّها من الأسباب التي جعلته يبتعد عن الشعر شيئا فشيئا لينظمه تحت الضرورة الملحة فقط، كرثائه لابنه أو نهيه عن المنكر كالقصيدة التي نظمها مستنكرا من حرق نخيل أهل العطف .... ثم يتوقف عن النظم تماما ليتفرّغ بعد ذلك إلى وضع الشروح وإلى التفسير حتّى سنة 1225 هـ كما أسلفت. الأغراض الشعرية في الديوان:
متعالي لينكا والقت الهيال
يمتاز ديوان الشيخ إبراهيم بن بحمان بالتنوع في الأغراض، ومرجع ذلك كما أسلفت إلى أنه كان ينظم الشعر تكلفا رغم علمه وإقراره بضعف قريحته وحمود فطنته وإلى تعمده الرصف أحيانا مجاراة لسابقيه كما فعل مع البردة التي سبكها على منوال بردة البوصيري ولا أحسبه نظم تلك الحجازية إلا احتذاء لآثار الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (570/ 500 هـ)، هذا الأخير الذي نظم قصيدة حجازية، ولما كان الشيخ ابن بحمان متأثر به كثيرا فقد
-
قلده
في ذلك.
يغلب على شعره طبع النظم المناسباتي كما أسلفت كالمراسلات والرحلة والتأريخ لوفاة عالم، وشكوى الزمان، والحال والردود المختلفة وحتى الاستعطاف
1. ينظر: قائمة مؤلفات الشيخ، وقد مرت قبل قليل في التقديم، حيث وضعت أمام كل مؤلف سنة الفراغ من تأليفه.