ديوان ابن بحمان
الجزء ١ · صفحة ٢٢التقديم لديوان ابن بجمان - رحلة المصعبي:
40 -
تعد رحلة الشيخ إبراهيم بن بحمان من بين أبدع الرّحلات وأجملها في تلك الفترة، لما تحويه من الفوائد والتقييدات المهمة في زمن غاب فيه التأريخ الدقيق للأحداث، لذلك فقد أفردت لها هذه الصفحات في التقديم لما تكتسيه من أهمية بين مؤلفات الشيخ ابن بحمان وعندما قارنتها مع بعض حجازيات المغاربة (2) في عصره لمست قرب الشيخ من الميادين المختلفة وقربه من المجتمعات البسيطة كذلك على خلاف معظم الرحالة الذين أرخوا لذوي السلطة وأربابها كالسلاطين والبايات وأصحاب دائرتهم كما قد تجد فيهم من بالغ في ذكر مقامات الأولياء والصالحين، ومن نظم في آثار أحد السلاطين، قلت لعلهم اضطروا لذلك لطول ملازمتهم لأولئك الأشراف.
إن رحلة شاعرنا ابن بحمان رحمه الله أضافت لأدب الرحلة عند المغاربة معاني جديدة وكشفت النقاب عن أحداث تاريخية مهمة، ربما لم يتعرّض لها معظم الرحالة كالحجز من السلطات والإرغام على دفع المكوس، وهي حقائق تاريخية تعكس جانبا مهما من أنظمة الحكم آنذاك، ثمّ إني لم أجد فيما قرأت تدقيقا مثل الذي للشيخ ابن بحمان في الانطلاق والوصول من مرحلة إلى أخرى باليوم والشهر، وأهم الملاحظات التي كان يسجّلها بدقة في كل مرحلة، والأهم من ذلك كله تصديه لنظمها شعراً.
ويبقى سبب تسجيله لتلك الرّحلة ونظمه لتلك القصيدة أخلاقيا راقيا، كقوله: .. بعثني صدق الهمّة إلى نظم بعض ما لقيته في سفري ليكون تذكرة لي، ولمن يريد سلوك هذه الطريقة من بعدي .. » ويقول أيضا مستنكرا فعل أهل زمانه: « .. وأمّا
1. هذا العنوان من وضعي وهو الذي دفعني إلى إخراجها مع "رحلة الوارجلاني" للشيخ أبي يعقوب في دراسات مستقلة، ولعلي أوفق إلى إخراج غيرها _ إن شاء الله تعالى.
2 ينظر رحلات معاصريه عند د. ناصر الدين سعيدوني في كتابه من التراث التاريخي والجغرافي للمغرب الإسلامي (تراجم مؤرّخين ورحالة … دار الغرب الإسلامي بيروت، ط 1، 1999، ص 398 وما بعدها.
التقديم لديوان ابن بجمان
41
حالها اليوم وفي الزمان الآتي فقد طارت بقيتها أدراج الرياح، ولم يوجد لها جد ولا رسم في خيف الأرض ونجدها ولا في بطحة من البطاح بأن استولى على الدنيا سلطان الظلم والفساد، فلم يترك محرمة منها تنفلت كظلم الحكمة وخفض العالي، ورفع الداني من العباد، وإني لما دخلت مصر التي هي اليوم أم المعاصي وأساس ذلك الظلم للداني والقاصي الناشئ عن تعداد الحكام فيها … »). قلت إن التراث الإباضي المغاربي في شقيه الأدبي والتاريخي ما يزال مغمورًا لما ير بعد النور كلّه، ولو أنّ أدب الشيخ إبراهيم بن بحمان وصل أيدي الدارسين والباحثين أمثال الباحث الدكتور: أبو القاسم سعد الله، والباحث الدكتور: ناصر الدين سعيدوني وغيرهما .. ، لضمنوه كتبهم جنبا إلى جنب مع فحول الأدباء والرحالة والمؤرّخين على عصره، ولعلّي أوفق إلى إضافة هذا العمل البسيط إلى
جهود الأولين ليكون لبنة أخرى تضاف للتأريخ لفترة الحكم التركي بالجزائر. إن الشيخ إبراهيم قد اطلع على حجازية الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، كما اقتبس منها فصولا، وهو دليل على تعلقه بفكر أبي يعقوب وبأدبه وتآليفه.
استغرقت الرّحلة 120 يوما ذهابا من مزاب إلى الحجاز، في حين كانت رحلة العودة على مرحلتين من المدينة المنورة إلى مصر مسيرة شهر، ومن هذه الأخيرة إلى مزاب مسيرة شهرين فتلاحظ أن العودة كانت أقل مدة الذهاب، ذلك لأن الغالب على المسافر الجدة في السير عند عودته إلى وطنه منه عند الخروج منه، يضاف إلى ذلك خبرته ومعرفته بالطريق بعد الذهاب.
2
من
1. ينظر: ديباجة الحجازية في الديوان، ص 189. ينظر: القصيدة الحجازية للشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني مخ، كلها، منها نسختين بدار إروان
بالعطف، غرداية.
3 ينظر حجازية المصعبي الأبيات 39 - 41 - 68 - 73 وقارنها بحجازية الوارجلاني. 4. ينظر التعليق على ديباجة الدليل والبرهان لإبراهيم بن بحمان، ص 85 (مخ).