ديوان ابن بحمان: الشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن الثميني اليسجني المصعبي المتوفى سنة 1232هـ/1817م إبراهيم بن عبد الرحمن الثميني اليسجني المصعبي

ديوان ابن بحمان

الجزء ١ · صفحة ٢٥

46

التقديم لديوان ابن جمان وساروا جنوبا ليتركوها وراءهم من جهة اليسار وراحوا منها إلى بركة الخليص وهي حصن دخلوه وقت العشاء هذا وقد كان بها بركة ماء لعلها كانت كبيرة نوعا ما، وماؤها كما قال عنه عذب بارد.

التي

ناتي

كما

وجازوا بعد ذلك على عسفان وأبيار لشجر الدفلة في واد هناك، ثم التنعيم كانت مراده و مبتغاه وهي مرحلة من مراحل الطريق قبل مكة. بعبر الشيخ عن صعوبة الرّحلة وهولها، حتى أنها أُثْرَت في الأصحاء فأنحلتهم، أذابت شحوم سمان الإبل لطولها وصعوبة مراحلها، ولندرة الماء وفقدانه في مراحل أخرى. وصل الرّكب إلى البيت الحرام في السابع من شهر ذي الحجة 1196 هـ حيث بادر الشيخ بالطواف والسعي بعد الشرب من زمزم والإحلال من العمرة، ثم أحرم للحج من تحت ميزاب الكعبة يوم الخميس 08 ذي الحجة 1196 هـ، وقد بات مع الركب المرافق له ليلة التاسع بمرمى الجمرات ومنحر الهدي وكان يوم الجمعة 09 ذي الحجّة الوقوف بعرفات، أين ذهل لكثرة الخلق الواقفين هناك، وقد أطال الشيخ في الدعاء وألح فيه، وكان في كلّ ذلك حسن الظن بالله متفائلا فيه بالخير، بأن نال مراده بزيارة البيت الحرام وإتمام مناسكه؛ ومن عرفات نزل إلى منى، وبعد أن قضى الحجاج حوائجهم بها دخلوا إلى سوق بمكة كانت أسعاره غالية كذلك، قلت هكذا هي الأسواق في المواسم حيث ترفع الأسعار وتُضرب المكوس الفادحة رجاء الربح السريع. وهذه القضية كان قد تباحثها الشيخ أبو عمار عبد الكافي التناوتي مع الشيخ أبي يعقوب يوسف الوارجلاني وهما بجبال مكة (1) وفي هذا حديث طويل، أين يتعرّض الحجاج أحيانا للابتزاز والتهديد حتى يدفعوا المكوس مقابل إنزال رواحلهم. وقد زار مكان ميلاد فاطمة الزهراء لله ورسول الله، وقبر خديجة به وقد شده الموقف كثيرا، حتى تمنّى لو أنه يستطيع شراء تلك المشاعر والأماكن وافتداءها بنفسه وماله.

1. ينظر: أبو العباس الدرجيني، طبقات المشائخ بالمغرب، ج 2، ص 490.

47

التقديم لديوان ابن بجمان - ثم يعود إلى المسجد الحرام وما استرعى اهتمامه هناك من وقوع الأرجاس والأدناس البشرية وكثرتها من طرف الفلاحين الجهلاء حتى صار ذلك المكان مساويا لمسلخة أو مرحاض عمومي عتيق، وأعظم مصيبة هي مشاهدة تلك الأوساخ البشرية داخل البيت الحرام بين المسجد والمقام علانية، وكأن القوم قد أباحوا كلّ محرّم بما لم يكن معهودا في سالف الدهور.

إن إشارة الشيخ هذه هي سابقة أولى من نوعها على ما لاحظت في الحجازيات من عدم التعليق على مثل هذه الظواهر التي تتنافى والذوق السليم، فكيف إن كانت في أماكن مقدّسة، ومعظم أصحاب الحجازيات لا يشيرون إلى هذه الظاهرة ولعله سهو منهم، ومن هنا يظهر حرص الشيخ على الطهارات، والإباضية إلى اليوم يولون عناية خاصة ونصيبا وافرا للطهارة، وقد وقفت بنفسي على عدد كبير من المنظومات من غير النثر في معظم فهارس المخطوطات، بها أقسام وفصول كاملة بعنوان "الطهارات" هكذا، لهذا لا تعجب من كثرة الأبيات في ذلك، ولا تعجب لدهشته وحيرته وكيف استوقفه ذلك المنظر كلّ ذلك الوقت ليُسلّم في الأخير إلى أنّ ذلك صادر من الأعراب الفلاحين كما أسلفت، ومنها راح يُسلّي نفسه وينسيها ذلك بمشاهدة الكعبة المشرفة ومنظرها الشامخ وما كان عليها من الكسوة المذهبة، وما كان على بابها منه أيضا من الذهب والفضة أشكال وألوان، أما الباب فهو موال جهة المشرق، وعلى اليمين مقام إبراهيم الخليل، وهو عجيب بما كان عليه من الذهب، وهو موال لباب الرسول. تر إسماعيل أو زمزم كقبة على يسار المقام، ثم استقبلوا الميزاب الذي يعلو الكعبة حيث كان قد أحرم منه لمناسك الحج عندما دخل البيت الحرام أوّل الأمر، صلّى الشيخ ومرافقيه هناك ثم خرجوا من الباب الغربي بين الركن اليماني والحجر الأسود، ثم خرجوا إلى الصفا يريدون السعي، وقد لبثوا هناك يسعون مدة ثلاثة أيام وعشر ليال.

وكان