ديوان ابن بحمان: الشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن الثميني اليسجني المصعبي المتوفى سنة 1232هـ/1817م إبراهيم بن عبد الرحمن الثميني اليسجني المصعبي

ديوان ابن بحمان

الجزء ١ · صفحة ٢٦

48

التقديم لديوان ابن بجمان وفي الثالث والعشرين من ذي الحجة 1196 هـ رحلوا إلى المدينة زائرين حيث وصلوها في السابع من محرّم ومات قربها عيسى بن أحمد [هكذا] ودفن هناك، وفي يوم السبت وصلوا إلى قبر رسول الله الله فوقف هناك مطولا ودعا الله كثيرا مسلّما على نبي الأمة سائلا شفاعته في أبيات بديعة، ومنها إلى قبر الصديق أبي بكر والفاروق عمر بن الخطاب، وقد بالغ في وصف جمال روضة البقيع التي حوت عظامهم الله، وقد أحيا الرّكب المرافق لهم مناسبة عاشوراء في الزيارة والدعاء، كما مات أحد مرافقيه وهو عيسى بن سليمان إمام من القرارة، صلّى عليه ودفن بالبقيع.

يوم الأربعاء 11 أو 12 من محرّم زوالا تجدّدت رحلة العودة إلى مزاب، وكان الشيخ يومها كئيبا حزينا غير راغب في الرحيل، وبعد مرحلة من السير وصلوا موضعا يقال له صفرى فدارت بهم جماعة فتقدّم كبارهم طالبين الرشوة، ولعل المكس كان مقابل إيوائهم أو حماية قافلتهم أو مرافقتهم إلى مسافة معينة، ولما كان المبلغ باهضا قال الشيخ إبراهيم بن بحمان «ثمانين ألفا من ريال بطاقيا» (1) وأضاف «فاقوا بذلك حاكم مصر في أخذه للمال منهم» (2).

امتنع الركب عن أداء الرشوة وفضلُوا الاعتماد على أنفسهم، وساروا حتى نزلوا واديا قرب صفرى التي دخلوها بعد ذلك مساء، وباتوا ببعض أنهجها دون حماية، تحت قلعة على واد هنالك وراحوا يطلبون الماء لرواحلهم فشرعوا في حفر بئر دون توان ونالوا مرادهم قبيل الصبح، وما يزالون على ذلك حتى أمطرت السماء عليهم مدرارا غزيراً، وفي الصباح جرّ عليهم الوادي ذيله ففروا منه هاريين، ولعله آوى مع بعض رفاقه إلى مرتفع قريب حيث لم يدركهم الماء الذي نال من بعض مرافقيهم فأغرقهم وأخذ متاعهم عند أصيل ذلك اليوم كانوا قد جمعوا شتاتهم وملؤوا قربهم

1. ينظر حجازية المصعبي ديوان ابن بحمان، البيت 194. 2 ينظر نفسها البيت 197، ص

209

ص

209

49.

التقديم لديوان ابن عجمان - من الماء الصافي وانطلقوا في رحلتهم من جديد ولو أنهم فقدوا الكثير من الزاد، وقد مات في موضع يُسمّى أُميلح المدعو سعيد بن قاسم وهو مؤذن من القرارة ابن الولي في 11 من صفر الخير 1197 هـ دخلوا مصر بعد مسيرة شهر من يثرب، لاحظت أن الشيخ لم يقل دخلنا مصر في شهر صفر بل قال " بعد شهر محرم " ولعله تشاءم من حكام مصر مثل أوّل مرّة لذلك لم يقل صفر الذي يقرن بالخير غالبا ويقال له " صفر الخير" لأنه توقع أنه لا خير فيه طالما دخلوا مصر وفيها من يتربص

بهم الدوائر، وقد تمنى لو يسلكون سبيلا آخر غيرها، لكن ماذا عساهم يفعلون وبها إخوانهم من الطلبة في المدرسة الإباضية بوكالة الجاموس في طولون، إذ تيقن أنه لا

حلّ لهم إلا الصبر والرضى بالقضاء ممن بيده مفاتيح الأمور يدبرها كيف يشاء. وقع فعلا ما كان الشيخ يتشاءم منه بمصر، إذ سمع بهم إبراهيم بيك خان مرة أخرى فبعث إليهم هذه المرّة من جهة الاستهزاء والسخرية طالبا منهم سلفا ألوفا من بطاقيا من الفضة، لكنّهم احتالوا لذلك الطلب وصرفوه بالحيلة والتأني ومن حيث أدركوا أنها مكيدة وأمر دُبر بليل تفاوضوا معه مثل أوّل مرة فردّت الغرامة إلى أربعة آلاف ومائتي ريال وقسمت بينهم ثانية فدفعوها مكرهين، ذلك أنهم ليسوا ملزمين بها إذ ليس لهم تجارة يديرونها هناك ولا يوجد ما يحتم عليهم دفع الغرامات، وقال لهم إنّ من قعد بمصر بعد هذه الحادثة فلا يلومَنَّ إلا نفسه، وقفل ومرافقيه بركبهم راجعين إلى مزاب. وصل ركب الشيخ إلى مسقط رأسه في أوائل ربيع الثاني من سنة 1197 هـ أي بعد مسيرة شهرين من مصر إلى مزاب وهى في نظري مدة كافية، ذلك أن المسافر يكون مُجدا في سيره عند العودة من رحلته منه عند الانطلاق والخروج من وطنه، وهي من أوائل صفر إلى أوائل ربيع الثاني، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشيخ لم يفصل في مراحل الطريق من مصر إلى مزاب ولعلّ ما لحقه بمصر عكّر صفو مزاجه فمنعه من تقييد المراحل، أو أنه أشغل بغير ذلك في ذهنه كالتأليف أو الإعداد لتصنيف أو