ديوان ابن بحمان
الجزء ١ · صفحة ٢٨التقديم لديوان ابن بجمان
التوطئة:
قضية صالح باي
52 -
لقد ضلت قضية صالح باي تكتسي عند المزابييين خاصة والمؤرخين لهذه الفترة عموما أهمية معتبرة لما يلفها من الغموض، خاصة ما كان من النهاية المأساوية للباي صالح بعد أن قضى في منصبه حاكما للولاية الشرقية مدة اثنين وعشرين سنة، ولما كان الشيخ إبراهيم بن بحمان مراسلاته أحد صانعي أحداثها فإني رأيت أنه من الضروري وضع هذه الصفحات لأقربها القراء من والباحثين أكثر من جهة، ومن جهة أخرى فلأنها تُنشر محققة هنا لأول مرة، وبالتالي فإنه لابد من التقديم لها والتعليق عليها حتى أضع الباحثين المهتمين أمام شهادة تاريخية جديدة تضاف لشهادات السابقين.
يقول الشيخ إبراهيم بن بحمان: « .. ولما وقع ما وقع في سنة ست ومائتين وألف من بعد هجرة سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله الله من أمور عظام، وأهوال جسام، ومن جملتها أن عدوّ الله والمسلمين الباي صالح صاحب الولاية الشرقية .. قد دخل بلد الجزائر، واشترى من المولى حسن الدولائلي بلاد بني مزاب أن يكون أميرا عليهم بعدة من ألوف لا تحصى وأن يجعل أمورهم بيديه وجهز له ما جهز، مما لا يعد ولا يستقصى .. اضطربت أودية بني مزاب حين سمعوا ذلك الخبر الشنيع، وصححوا هذا الأثر الفظيع .. فرفعوا شؤونهم لكاتبه إبراهيم بن عبد الرحمان (1) مريدين منه مكتوبا يكتبهم لهم في ذلك الشأن إلى ذلك السلطان العالي القهرمان الغالي .. وأرسلوه إلى ابنهم إبراهيم بن صالح الأمين، وأدخله إليه على يد صهره الحاج علي بن عبد اللطيف، الآتي ذكره الشهير عن التعريف، وقرأ عليه وأصغى إليه غاية الإصغاء، وأثر في نفسه تأثيرا عجيبا .. ورجع في حينه وساعته عما فعله لذلك اللعين، ونقض ما أبرمه له على رؤوس العالمين، فكتب إليه أن عزمه، ويخلي سبيل بني يرجع
1. هو المصعبي إبراهيم بن بحمان صاحب الديوان.
عما
التقديم لديوان ابن بجمان
منهم
53
مزاب، وحذره وأكد عليه أن لا يذكرهم ولو باللسان، ما دام مرور الزمان، فلما وصله خبر المولى، أنف وأبى واستكبر وعلى وغضب غضب الخيل على اللجام، وغاظه الحال حين ردّ عليه وأبطل أمره بين الأنام فبعث إليه باعتزاله، وبمن يقوم بدله في مكانه، فاحتال عدو الله ورسوله إلى قتل القادم عليه وجمع من أصحابه، فقتل جما غفيرا، فجدّد إليه الدولاتلي رؤوس مملكته، فأخذوه ومزقوه تمزيقا عظيما، وفصلوه على أربعة أجزاء .. وفعلوا وبدائرته ما يعتبر به جميع الأنام .. » ()، ثم قال بعد ذلك في ديباجة نص الرسالة الرّسمي إلى داي الجزائر: « .. وتحية وإكرام .. من المسلمين عليك جموع بني مزاب المشتكين إليك ما نزل بهم وحل بأسماعهم .. وهي أنك تريد أن تضرب عليهم الغرامة المالية علي يد صاحب الولاية الشرقية، غير ما كانوا عليه من قديم الزمان، وتريد أن تبدّل أحوالهم المسطرة من الأسلاف والأجداد في الديوان، مع أنّ ما كانوا عليه لا يُطاق وصفه، ولا يحصى عده من تحمّل الصنائع على عواتقهم .. فانظر في هذا الأمر والشأن وحَمِّم فيه بعين البصيرة .. على أن في ظنّ بني مزاب واعتقادهم المساوي لاعتقاد العسكر الأحباب .. أنه لا يمكن ولا يقع، فكيف يكون ذلك؟ .. فإن قلت يا مولانا لا بدّ من هذا .. فسرّح حينئذ أولادنا الداخلين بلد الجزائر بالأمان الخادمين صنائعها بالإحسان أن يقدموا إلى ما يريدونه من البلدان وأرض الله واسعة ما دام الزمان .. وحاصل ما ذكر من الأمر أن خدمة العسكر الأعلى والجند الأسنى هم بنو مزاب من قديم الزمان إما أن تسعى فيهم بقواعد الأسلاف والأجداد، من غير تبديل قاعدة، ولا تغيير ضابطة، أو تسرّحهم إلى الخروج من بلد الجزائر كما دخلوها بالأمان ليدبروا على أنفسهم ما دام الزمان؛ بتاريخ ذي القعدة الحرام من سنة ست ومائتين وألف بعد الهجرة النبوية المحمدية الإسلامية .. » (2)
1. ينظر: الرّسالة في مكانها من الديوان، ص 227 وما بعدها.
2 ينظر: المراسلة في الديوان.
ص
231