ديوان ابن بحمان
الجزء ١ · صفحة ٣١58
التقديم لديوان ابن بجمان - بالوزناجي، الذي نفّذ حكم الإعدام في الباي صالح بعد إلقاء القبض عليه، وهذه الرواية انفرد بها مبارك الميلي، ويرى آخرون أن إبراهيم بك بوصباع أطلق سراح الباي صالح ما جعل هذا الأخير يدبر للنيل من إبراهيم بك والوفد المرافق له، فتم له ذلك واستطاع الفتك به وبمرافقيه فعلا، ولم يكد الباي الجديد الثاني أي "الوزجاني" يصل إلى قسنطينة حتى كان أهالي المدينة قد طوقوا صالح باي وقبضوا عليه، و لم يشفع فيهم حكمُهُ لهم اثنين وعشرين سنة، ذلك لأنهم لم يألفوا القلاقل والشغب فأسرعوا إلى إنهاء الفتنة بالطريقة المحكمة، بأن أوقفوا المعتدي عند حده، وهكذا ينتهي فصل من تاريخ قسنطينة بحلوه ومره، ولو أن التأريخ الفعلي والحقيقة الناصعة تبقى غير جلية واضحة تماما طالما أن هناك من الحقائق المهمة ما نحن بصدد فض بكارته الآن أعني رسائل ابن بحمان، وأعني هنا المؤرخين المعاصرين الذين أوردنا شهادتهم على ما وصل إليهم رغم أنهم لم يثبتوا مصادر، رواياتهم لم يدرجوا مراسلات الشيخ إبراهيم بن بحمان لأنها كانت مغمورة في خزائن مخطوطات وادي مزاب ولهذا فإنه من العدل أن نضيف شهادة الشيخ إلى شهادات المؤرّخين المعاصرين لأنه حضر الوقائع بنفسه وشارك في صنع جزء منها هذا بالنسبة لما كتب مع إدراج الروايات الشفوية كونها هي الأخرى تحمل التاريخ الفعلي للكثير من القضايا، ذلك لأن التاريخ الإباضي عموما كان يحفظ ويروى ولا يكتب حتى عهد قريب.
أما بالنسبة لهذه القضية التي هي جزء من تاريخ العثمانيين بالجزائر فإن الشيخ إبراهيم بالفعل صنع بعض أحداثها بشعره ونثره وأرّخ لداي الجزائر وباي قسنطينة وتجارها كذلك بالقدر الذي يمكن أن يدعو الباحثين إلى النظر في قضية صالح باي ويدرجوا مراسلات الشيخ ابن بحمان مع داي الجزائر في دراساتهم حول الفترة العثمانية ونظام الحكم، والوجود المزابي بالجزائر وقسنطينة، وتاريخ الاتفاقيات المبرمة بين بني مزاب والسلطات العثمانية، ولا شك أن الأرشيف العثماني بتركيا يحوي الكثير منها.
59
التقديم لديوان ابن بجمان - الله إن مراسلات ابن بحمان تعكس جوانب خفيّة من تاريخ الجزائر العميق، أتمنى أن يتصدى لها أهل الاختصاص إنطلاقا من الحقائق التي صارت الآن موجودة بعد أن كانت حبيسة الخزائن والتى تُظهر جانبا آخر من الشخصية الجزائرية المحضة التي كانت تدافع عن حقوقها في ظل الهيمنة التركية التي إن أحسنت للجزائر في كثير من الأحيان فقد أساءت لأهاليها في أحيان أخرى كذلك، كما ويمكن اعتبار شعر الشيخ مع الدّاي من إرهاصات الشعر السياسي الجزائري الحديث، خاصة وأنه جاء مع اقتراب أفول شمس الدولة العثمانية بالجزائر وقرب وصول طلائع المستعمر الفرنسي، وفي الوقت الذي كان فيه من الممكن أن يتقرب بشعره إلى الداي لينال حظوته فضل شاعرنا الاعتزاز بجزائريته والدفاع عن قضيته الوطنية المشروعة. قصيدة البردة:
لقد شهد الشعر الديني الجزائري خلال القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي نكسات خطيرة على يد المتصوّفة والدراويش الذين انتشروا بصورة كبيرة جدا، وخيمت ظلالهم على أجزاء كبيرة من القطر الجزائري، استطاع هؤلاء
عند
المتصوفة والدراويش استغلال الوافدين عليهم في ظل الجهل المتنامي، وأصبح البعض منهم وسيلة للرّشوة والفساد وعند البعض الآخر وسيلة لاتخاذ الحضرة ونشر البدعة واستغلال العامة (1) في ظل غياب السلطة الردعية التي فضلت السكوت على هذه التصرفات، لأنّ ذلك كان في صالحها في بعض الأحيان .. أما وادي مزاب فكان يعيش سكانه وينعمون بالاستقلال الذاتي رغم اعترافهم بالتبعية للديوان، فقد ظلوا على أعرافهم وتقاليدهم في تسيير شؤونهم الداخلية، وكانت السلطة الدينية ممثلة في مجالس العزابة على مستوى قرى مزاب تصدر أحكامها إذا احتاجت إلى تشاور أكثر على مستوى الهيئة الدينية العليا ممثلة
العقال
د.
أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج 1، دار الغرب الإسلامي بيروت، ط 1، 1998،
ج 1
ص 478. بتصرف.