ديوان ابن بحمان
الجزء ١ · صفحة ٦8
التقديم لديوان ابن بحمان - رأيت ضرورة إخراجها في هذه الحلة حتى ترى النور طبعًا بعد استدراك بعض التعاليق عليها، حتى تزيدني حزماً وعزما على المزيد من العمل في هذا المجال، وبالله التوفيق. طريقتي في البحث:
لقد ملكت إعجابي شخصية الشيخ الحاج إبراهيم بن بحمان، لأنه كان طيلة حياته يخدم العلم والمجتمع ويسعى في تحصيل العلم ونشره، كما لا تفتر همته عن توعية المجتمع وإرشاده وإصلاحه.
لقد شدّتني إليه همته العالية رغم توالي النكبات عليه وعلى بلاده، فتراه يراسل هذا ويجيب عن أسئلة هؤلاء، ويعلق على الكتب، ويفسّر القرآن الكريم، ويشرح الأحاديث، ويرحل بعزيمة المؤمن الصادق إلى أداء مناسك الحج بعد أن يضع في ذلك كتاب (ا) يُبين آدابه ومقاصده .. لقد ملكت إعجابي هذه الشخصية التي لم تتقيد بحدود تخصص ضيّق أو معين.
وأحسبه قد تأثر في ذلك بالوارجلاني أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم، حين علق على شخصه وكتابه الدليل والبرهان هذا الذي قال فيه الدرجيني في طبقاته: « .. هو بحر العلم الزاخر المسخّر للنفع فترى الفلك فيه مواخر، الرفيع القدر المحتوي على علوم جمّة، … إذ كان له في كل جو والهمة، الجامع لفضائل كل امت. متنفّس، ومن كل نار مقتبس، وهذا الشيخ (أي الوارجلاني) له يد في علم القرآن، وفي علم اللسان، وفي الحديث والأخبار وفي رواية السير والآثار .. » (3).
إن الموسوعية والتنوع الذي تميز بهما الشيخ إبراهيم بن بحمان فيها تأثر كبير بشخصية الوارجلاني، إذ كان له يد في التفسير، والشروح والأجوبة، والتعاليق
1 هو كتاب مختصر المناسك ومهذب المسالك" المنسوب خطأ إلى شخص يُدعى إبراهيم المصعبي.
2. هو أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (ت 670 هـ)، صاحب كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، من أشهر الكتب التي أرخت لمشائخ الإباضية بالمغرب الإسلامي، رتبه على اثنتي عشرة طبقة، ومدى كل طبقة خمسين سنة، طبع في جزأين.
3 ينظر أبو العباس الدرجيني طبقات المشائخ بالمغرب تحقيق إبراهيم طلاي دار البعث قسنطينة، ط 1، 1970، ج 2 ص 491.
4. ينظر: تعليق الشيخ ابن بحمان على ديباجة الدليل والبرهان مخطوط مكتبة الاستقامة بني يسجن، المج كله.
من حسن
9
التقديم لديوان ابن بحمان - والمراسلات، ثم المديح النبوي، ممثلا في بردة على منوال بردة البوصري، والرحلة، والمنطق، والفقه والردود، والمراسلات شعرا ونثرا وهذه كلها شكلت مجتمعة ديوانه الشعري. لعلّ تنوّع مظاهر النبوغ فيه، رسخ جدوى جعل العلم في خدمة واقع الحياة، إذ إنّ حظ المكتبة الجزائرية أن حفظت لنا يد الزمن مجموع مؤلفات الشيخ إبراهيم بن بحمان على ما وصل إلينا والتي بين أيدينا اليوم، لتكون شاهدا على فترة تاريخية مهمة من حكم الأتراك بالجزائر، والتي تبقى مغمورة في كثير من أجزائها ويشاء الله أن يوجد بصحراء الجزائر الحبيبة من يسجل بعض وقائعها بعيدا عن الكتاب المقربين إلى الدايات وأصحاب السلطان، ممن يتزلّفون بشعرهم ويكتبون سير الحكام على ما فيها تقربا أو تطوعا … ليبقى قلم الشيخ إبراهيم بن بحمان جزائريا محضا نزيها ومنتقدا.
لم يكن للشيخ ابن بحمان طلبة يُملي عليهم أو كتابا يشتغلون بنسخ مخطوطاته رغم معاصرته للعديد منهم وازدهار حركة النسخ في وقته بشكل كبير، فقد كتب الشيخ كلّ كتبه بخطه، ووقعها بنفسه كذلك، إلا ما صار متداولا بعده بكثرة كبُردَته البديعة التي تحوي منها خزائن المخطوطات بمزاب نسخا عديدة نظرا لطابعها الديني ولاحتفاء المسلمين بسيرة الرسول محمد وهو ما يمكن اعتباره دليلا على رقي لغته، وذيوع صيته في عصره وبعده.
لم أجد بعد طول بحث وتنقيب نسخا أخرى من مؤلفاته وديوانه الذي هو في الأصل جزء من مجموع مؤلّفاته، إذ كان يضمِّنُ أشعاره في الغالب مجموعةً في آخر بعض كتبه القيمة، ومن هنا تكون نسخة الديوان التي اعتمدتها هي الأصل وبخط الكاتب وتوقيعه مجموعة من أصول مؤلفاته، وهي في نفس الوقت من الشواهد على صحة نسبة الديوان إلى مؤلّفاته، فتشابه الخطوط، ودقة التواريخ، ثم صحة الأعلام المذكورين فيه إذ كلّهم معاصروه وأغلبهم مشهورون وله معهم مراسلات، يضاف إلى ذلك أسلوبه الأدبي والفني الذي لا يتغيّر، ثم النقد الصريح ودقة الملاحظة، وغير ذلك.