في رحاب القرآن - مهرجان ختم تفسير القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٠وتحدثا بنعمة الله ثانيا أذكر أني لم أتخلف يوما عن هذا الدرس وأنا في البلد مقيم منذ أن فتح بأول آية في المصحف الى أن ختم بآخر آية فيه اللهم إلا مرة واحدة لا أنساها كتب التفسير المشهورة كتفسير المنار لرشيد رضا فيما فسره من القرآن وروح المعاني تخلفت عنه لشغل شاغل ولعله أهم من الحضور. فما تسمعون الآن هو من شاهد عيان للألوسى والكشاف للزمخشرى والتيسير للشيخ طفيش والظلال السيد قطب وغيرها وغيرها يختار من ذلك ما يراه الصواب الموافق لحكمة الله ويرجحه بالدليل العقلي أو
مارس هذا الدرس نيفا وأربعين عما
بعد تردد وتهيب طويلين من الأستاذ الجليل وبعد إلحاح شديد من التلاميذ افتتح النقلي أو بهما معا وقد يتخطى كل ذلك ويأتي برأي خاص من عنده يرجحه بأدلة
أول درس في التفسير بعد صلاة الظهر من يوم السبت فاتح محرم سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة يوافقه اليوم السادس من نيسان سنة خمس وثلاثين وتسعمائة وألف ميلادية. مهد للتفسير بثلاثة دروس بسط فيها بسطا وافيا كيفية نزول القرآن وكيفية جمعه وبين السر في بقائه محفوظا الى الأبد وبين حاجة الإنسانية جمعاء الى هذا الكتاب وصلاحيته لكل زمان ومكان وكيف يسره الله لكل أحد بحيث لا يفوت أفهامهم وحث على وجوب الغوص لاستخراج لآليه وبين المنهج الذي يسلكه في التفسير
33
وطريقته في هذا أنه بعد افتتاح الدرس بالدعاء المأثور، يتولى أحد التلاميذ تجويد الآية أو الآيات التي يفسرها، يتولى هو سردها ثم يذكر سبب النزول إن كان ويربط الآية أو السورة بما قبلها بذكر المناسبة ثم يشرح معاني الألفاظ اللغوية والمعنى الإجمالي ثم التفصيلي للآية فيستخرج ما فيها من أسرار بيانيه ولطائف بلاغية ونكت عجيبة، وكثيرا ما يلهم بها أثناء الدرس فيقول هي بنت اللحظة يبدى ما فيها من إعجاز يفوت تناول البشر ويذكر مناسبتها لعصر النزول ومطابقتها لهذا العصر ونوازله فتحسب أن الآية نزلت يهذه القضية أو تلك أو على هؤلاء الأقوام أو أولئك، ويستعرض عليها قضايا الإنسان الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ويتوجه الى النفس الإنسانية بالعبرة والذكرى والموعظة الحسنة يصوغ من كل ذلك درسا رائعا متصل الحلقات متاسك الأطراف يدخل الى النفوس بقوة فيؤثر فيها الأثر المطلوب، كل ذلك بأسلوب جذاب وفصاحة نادرة واستحضار غريب وباللغة الفصحى وقد يمزجها باللغة المحلية المعربة تقريبا مراعاة الجانب النساء والأطفال ولبعض العامة أما غالبهم فقد تعوّدوا الفصحى فلا يكاد يفوتهم من الدرس شيء. ولا يحضر في الدرس كتابا ولا مذكرة إنما هو درس مستفيض يستمده من وثقافة واسعة وذاكرة واعية وروح صافية. يستعين على درسه قبل الوقت بمراجعة
عقل مستنير
قاطعة وأكثر اعتماده على القرآن الكريم ويقول: ما فسر القرآن مثل القرآن، يعتمد في
كل ذلك على ذكائه الوقاد وعلى رصيده الفياض من ثقافة دينية وأدبية وتجربة واسعة في بها طول حياته الإجتماعية التي معالجة فضايا المجتمع التي عاشها وخاضها وأبتـ
ابتدأت من أواخر العقد الثاني من هذا القرن ولا تزال الى اليوم وان خف نشاطه
أخيرا بمقتضى مرضه الحالي. وتجدون بين أيديكم أيها الإخوان نموذجا لهذا التفسير مقروءا مضغرا جدا يوزع عليكم شيء منه وهو تفسير لسورة النور ونموذجا آخر
ربهم
مسموعا وهو تسجيل لتفسير آية من نفس السورة في أشرطة توزع كذلك بهذا المنهج القويم وهذه الروح القوية فسر القرآن إمامنا الكبير في مدى سبعة وأربعين عاما تتخللها فترات تطول وتقصر حسب الظروف القاهرة، ثم يستأنفها أوفر ما يكون نشاطا وحزما وأوفى ما يكون إقبالا ورغبة لا يريد من ذلك جزاءاً ولا شكورا ولا يبتغي ثناء ولا حمدا ولا يتقاضى أجرا من هيأة أو حكومة إلا من عند الله وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى هذه المسيرة النورانية يتوكلون. وبعد وهي الفيض الرباني ختم هذه الدروس ليلة الثلثاء ستا وعشرين من شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة مائة وألف يوافق ثلاثة عشر فبراير سنة ثماني وتسعمائة وألف. تلقى هذه الدروس يوميا في المسجد الكبير بين الظهر والعصر صيفا وبعد صلاة الصبح شتاء تستغرق ساعة الى ساعة ونصف وكانت له دروس أخرى للعامة يومية كذلك بعد صلاة العشاء صيفا وشتاء عدا دروسه في معهد الحياة التي تستغرق بقية أوقاته صباحا وعشية ومساء. ومنذ سنوات تخلى عن دروس المعهد وأختص بدرس التفسير. فكان يلقيه دائما بعد صلاة العشاء يحضر دروس التفسير تلاميذ المعهد بصفة خاصة ويحضرها عامة الناس رجالا ونساء من جميع الطبقات فكان لها الأثر البالغ في تهذيب النفوس وتثقيف العقول وتوعية الناس وإصلاح المجتمع. ولم يقتصر أثر هذه الدروس على من يحضرها من أهل القرارة. فحسب بل يعم مزاب بصفة خاصة والقطر الجزائري بصفة عامة بل حتى تونس
- 19.
- 18 -